أبي طالب المكي
13
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
مولاه بعمل غد . فأما المتوكَّل في المضمون من الرزق المعلوم من القسم فهو توكَّل العموم يستحي الخصوص من ذكره ، ويتكرمون عن نشره إذا كان الله تعالى قد أقسم بنفسه أن الرزق في السماء حقّ ، كما أقسم بنفسه أن كلامه حق . فجمع بينهما في الحقيقة بالقسم بالذات دون سائر الأفعال لتسكن بذلك نفوس الخليقة عن النظر إلى الأدوات ، ليرتفع الشكّ فيهما ويحصل اليقين بحقيقتهما . فقال سبحانه : * ( فَوَ رَبِّ السَّماءِ والأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ ) * [ الذريات : 23 ] . كما قال تعالى : * ( ويَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي ورَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ) * [ يونس : 53 ] . وليس في القرآن قسم بالذات فيما سبرناه إلا خمسة : القسم الذي في سورة النساء على تسليم الأحكام * ( فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) * [ النساء : 65 ] الآية ، وفي سورة التغابن على بعث الكافرين وأبنائهم * ( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ) * [ التغابن : 7 ] ، وفي سورة المعارج من * ( سَأَلَ سائِلٌ ) * [ المعارج : 1 ] في تبديل الخلق خلقا خيرا منهم * ( فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ والْمَغارِبِ ) * [ المعارج : 40 ] إلى قوله : * ( بِمَسْبُوقِينَ ) * [ المعارج : 41 ] ، وهذان القسمان المتقدمان وسائر الأقسام بالأفعال ، ولأن العبد قد وكل برزقه من يقوم له به من الخلق . فإن لم يرزق من كسبه وعن يده رزق من كسب غيره ويده ، ولكن شغل الخصوص بأعمال الآخرة ، وما يفوتهم من القربات إلى الله عزّ وجلّ ، وبالخدمة للمولى الذي وكلّ إليهم . فإن لم يقوموا به لم يقم به غيرهم لهم ، ولم ينب غيره من الدنيا منابه ، لقوله تعالى : * ( وأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) * [ النجم : 39 ] ، وقوله تعالى : * ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ . لِسَعْيِها راضِيَةٌ ) * [ الغاشية : 8 - 9 ] ولقوله تعالى : * ( والآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقى ) * [ الأعلى : 17 ] ، وقوله تعالى : * ( والله يُرِيدُ الآخِرَةَ ) * [ الأنفال : 67 ] ولقوله تعالى : * ( من كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ) * [ الشورى : 20 ] . ولم يقل هذا في أرزاق الدنيا . ومعنى الزيادة أن لا يحاسبه على ما عطيه من الدنيا إذ لا زيادة في القسم . وقد قيل : إن الله تعالى يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا ، وهذا لعلوّ الآخرة ودناءة الدنيا . وكان عليّ رضي الله عنه يقول : إلا أن حرث الدنيا المال ، وحرث الآخرة العمل الصالح . وقد قيل : إن الزيادة في الآخرة رفعة الدرجات لمن كانت نيّته وقصده ولها يعمل ، فشغل الخصوص بما وكَّل إليهم وبما لا يعمله غيرهم لهم عمّا تكفّل به لهم ، فأقيم غيرهم فيه مقامهم وناب أيضا عنه مثله من أسباب دنياهم . كما روي في أخبار داود عليه السلام : إني خلقت محمدا لأجلي ، وخلق آدم لأجل محمد ، وخلقت ما خلقت لأجل آدم . فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني ، ومن اشتغل منهم بي