أبي طالب المكي

14

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

سقت إليه ما خلقته لأجله . وتوكَّل الخصوص أيضا في الصبر على الأذى من القول والفعل ، إذ كان أمر بذلك الرسول في قوله تعالى : * ( فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا . واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ) * [ المزمل : 9 - 10 ] مع قول الرسل عليهم السلام : ولنصبرنّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكَّل المتوكَّلون . وكذلك أمر نبيّه عليه السلام لما قال تعالى : * ( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ) * [ الأنعام : 90 ] ، فأمره باتباعهم وقال : * ( ودَعْ أَذاهُمْ وتَوَكَّلْ عَلَى الله ) * إلى قوله : * ( فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ من الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ) * [ الأحقاف : 35 ] . وقال بعض العارفين : لا يثبت لأحد مقام في التوكَّل حتى يستوي عنده المدح والذم من الخلق فيسقطان ، وحتى يؤذى فيصبر على الأذى ، يستخرج بذلك منه رفع السكون إلى الخلق ، والنظر إلى علم الخالق الذي سبق ، ثم التوكَّل في الصبر على حسن المعاملة ، وترك الطلب للمعارضة حياء من الله وإجلالا له وتخوّفا منه وحبّا له . فقد وصفهم بذلك ظاهرا وباطنا . فالظاهر قوله تعالى : * ( نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ . الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) * [ العنكبوت : 58 - 59 ] . فلما علموا صبروا على علمهم ، ثم توكَّلوا عليه في جميع ذلك ، فأنعم أجرهم وأجزل ذخرهم . والباطن فيما أخبر عنهم إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا فقطعهم الخوف عن الطلب . ففي قوله : منكم ، وجه حسن غريب ، وهو باطن الآية قد يكون بمعنى لا نريد بدلا منكم ، كقوله تعالى : * ( ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً في الأَرْضِ يَخْلُفُونَ ) * [ الزخرف : 60 ] ليس أنه جعل من البشر ومنكم ملائكة ، ولكن المعنى بدلا ، هذا أحد الوجهين في الآية وهو أعلاهما ، والوجه الظاهر أن يكون الكاف والميم أسماء المطعمين أي لا نريد من عندكم جزاء أي مكافأة ولا شكورا أي حسن ثناء . فلما لم يطلبوا العوض من أجلهم ولا المكافأة من عندهم وقالوا : إنّا نخاف من ربّنا ، جزاهم أفضل الجزء ، وأحسن لهم غاية العطاء فقال تعالى : * ( وسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً . إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) * [ الدهر : 21 - 22 ] . إذ لم يطلبوا جزاء ولا شكورا جعل جزاءهم شرابا طهورا ، وجعل سعيهم لديه مشكورا ، ثم التوكَّل عليه في تسليم الحكم والرضا به . ومنه قول يعقوب عليه السلام حين سلم الحكم توكلا على الوكيل الحاكم : إن الحكم إلا لله . عليه توكَّلت ، لأن العبد إذا كان مريد المراد نفسه من الأشياء قد لا يوجد في كل شيء إرادته ، ثم هو على يقين من إرادة مولاه لكلّ شيء ، وأن كل شيء مراد لوكيله فينبغي أن يريد ما يريد مولاه إذا لم يتفق له ما يريد بل ينبغي أن يكون مراد مولاه أحبّ إليه وأبر عنده لأن ما أراده مولاه مما لا عقوبة على العبد فيه ، ولا مسخطة لمولاه فإنه محبوب لله مختار له . فلتكن