أبي طالب المكي
127
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
العين على العين ويضيء الكوكب الدرّي في جوهر مشكاة القلب . وقد كان للشيخ أبي الحسن بن سالم رحمه الله تعالى من هذا الطريق ، مشاهدات ومطالعات وسياحات في الغيوب ، وجريان في الآخريات ، وانقلبت له الأعيان وظهر له العيان ، وطوى له المكان ورأى ألف وليّ لله تعالى ، وحمل عن كل واحد علما ، ثم انقطع الطريق بعد فقده وعفا الأثر ودرس الخبر . ثم الله تعالى أعلم بما هو صانع بهذا الطريق وأهله ، هل ينشئ له أهلا وينهج له غامضات الطريق طريقا أم يطويهم في طيّ طريقهم ويخفي طريقهم في خفاء الموج الغامض في غامضات العلم السابق ؟ نقول في ذلك كما قال إمام الأئمة علي بن أبي طالب ، كرّم الله وجهه ، بعد إذ ذكر في خطبته قيام الساعة واستقرار أهل الدارين فيهما قال : ثم الله أعلم بما هو صانع بالدنيا بعد ذلك . فهذا من سرّ السرّ الذي أودعه صاحب الأمر ، وليس فوق الخلة مقام إلا درجة النبوة ، وهو محجوب عن القلوب كحجاب هذا المقام من الخلَّة عن قلوب العموم . فهذا لا فوت فيه لأنه درك منه ، ولا حزن عليه لأنه لا نصيب عنه . ولكن مقام الخلَّة لا يكون إلا مقام محبوب على كل حال . وما سمعت من أحد من أهل العلم الباطن والمعرفة الثاقبة رسما من علم الخلَّة ولا من وصف محبوبه شيئا في كتاب الله تعالى ، ولا إشاراته إلا نكتا في الأخبار ولمعا من الآثار . أعلم أنه كلام محبوب من مقام خلَّة ، ولكنه مستودع في كتاب الله تعالى المكنون ، وغامض من خطابه المصون ، ومخبوّ في سرّ آياته عن القلوب والعيون ، وكاشف به الساجدين . وأظهر عليه أهل السرّ من العارفين ، ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض . وقوله تعالى : * ( قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأَرْضِ ) * [ الفرقان : 6 ] ، وقد كان الحسن رحمه الله يروي في الخلَّة أخبار ، منها أن الله عزّ وجلّ أوحى إلي بعض أوليائه : إنما أتخذ لخلَّتي من لا يفتر عن ذكري ولا يكون له غيري ولا يؤثر علَّي شيئا من خلقي . وإن حرق بالنار لم يجد لحرق النار وجعا ، وإن قطع بالمناشير لم يجد للمس الحديد ألما . وقد روينا عن الخليل الحبيب عليه السلام أنه قال : تحابوا في الله وتصافوا وتباذلوا وتخاللوا فيها ، وليس من كرم الله تعالى أن اتخذ عبدا من عباده خليلا فنبه أن الخلَّة من الله تعالى كانت لأوليائه عن فرط كرمه وفضل آلائه ، ألحقهم بكرامته وأهلهم بفضله لها وعظمهم عن نصيب تعظيمه فيها . والله الواسع الكريم ذو الفضل العظيم ، إذا رفع عبدا جاوز به الحدود ، وإذا خفضه وضعه تحت المحدود . وقد تكلم الجنيد رحمه الله تعالى في مقام من هذا وقد سئل عنه فقال : هو غاية الحبّ وهو مقام عزيز يستغرق العقول وينسي النفوس ، وهو من أعلى علم المعرفة بالله تعالى . وقال :