أبي طالب المكي
128
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
في هذا المقام يعلم العبد أنّ الله عزّ وجلّ يحبه ويقول العبد : بحقي عليك وبجاهي عندك ويقول : بحبك لي . قال : وهؤلاء هم المدلون على الله تبارك وتعالى ، والمستأنسون بالله تعالى ، وهم جلساء الله تعالى ، قد رفع الحشمة بينه وبينهم وزالت الوحشة بينهم وبينه ، فهم يتكلمون بأشياء هي عند العامة كفر بالله لما قد علموا أن الله تعالى يحبهم ، وأنّ لهم عند الله جاها ومنزلة . ثم قال عن بعض العلماء : أما أهل الأنس بالله تعالى فليس إلى معرفتهم سبل . هذا من كلام الجنيد ونحو معناه حدثني به الخاقاني المقري ، ولولا أنّا روينا عنه ما ذكرناه لا ما كنا نشرح حال هؤلاء إشفاقا على الألباب كما قال المجلى : وأن أشرح ثناءك غير أني * أجلك عن كتاب في كتاب وقد كان شيخنا أبو بكر بن الجلاء رحمه الله كتب إلى شيخنا أبي الحسن بن سالم رحمه الله تعالى ، يسأله عن مسائل من معاني السرائر في كتاب . فحدثني من رآه : رمى بالكتاب وقال : أين صاحب هذه المسائل ؟ فقيل : هو غائب بمكة فقال : أنا لا أجيب عن هذا في كتاب ، قولوا له : يحضر إن أراد . وقد حدثني ابن الجلاء . بهذا لأن مقام الخلَّة هو الذي أخفيناه وعظمناه ، لا يعطاه العبد إلَّا في مقام مع مقام . فالمقام الأوّل هو المعرفة الخاصية بظهور تعرف كشفا عن وصف الباطن ، ثم يدخل عليه المحبة المخصوصة وهو مقام محبوب ، ثم يرفع من هذا المقام إلى مقام الخلة وهو الإشراف على سرائر غيوب من شرفات العرش وسرادقات القدس وغير ذلك . والأصل فيما ذكرناه أنه سبحانه يعطي مقامات المعرفة في مقام عارف ، ولا يعطي فيه مقام محبوب . وقد يعطي مقامات من المحبة في مقام محبّ ولا يعطي شهادته خلَّة لغير خليل عارف . فإذا جمع مقام معرفة تعرّف إلى مقام محبة محبوب أعطي مقاما من الخلَّة الذي وصفناه ، وهذا من أعز ما أظهر في الكون لمظهر مكنون . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خطب الناس قبل موته بثلاث فقال : إن الله تعالى قد اتخذ صاحبكم خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ، فرفع صلى الله عليه وسلم في مقام محبوب إلى درجة خليل كما نقل من مقام محبّ إلى حال محبوب ، كما زيد بالمحبة في مقام محبوب الصفوة . وقال أيضا في المقام الأول : إنّ الله عزّ وجلّ اتخذ موسى صفيا واتخذني حبيبا . فأول العطاء هو الصفاء من الهوى ثم المحبة بعد الصفاء ، ثم الزيادة بوصف محبوب فوق المحبة . ثم ارتفع فعلا بعد القوّة والاستواء إلى العلي الأعلى ، فدنا لما علا فتدلَّى حتى دنا فكان قاب قوسين أو أدنى وكانت البلد من ورائه والوجه مواجها لوجهه : وكان ما كان مما لست أذكره * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر إذ من العلوم علم لا ينبغي أن يسأل عنه حتى يبدي العالم ذكره . فهذا منها فلا