أبي طالب المكي

126

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

الحبّ مقامات على تجلَّي الحبيب بمعاني الصفات ، ويتزايد الرضوان في الرضا درجات حسب تعاليمهم في علو المشاهدات ، ويتعالى أهل عليّين في العلوّ غايات على قدر أنصبتهم من قوة الإيمان وصفاء اليقين . قال الله تعالى : * ( وأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * [ آل عمران : 139 ] ، فأعطاهم من معاني وصفه العلو . ثم وصف نصيبهم بوصفهم فقال : إنّ كتاب الأبرار لفي علَّيين ، وما أدراك ما عليّون ، فعليّون لا نهاية له في العلوّ إذ هو من أسماء المبالغة في الوصف . وقيل : إنه اسم لا واحد له من جنسه ، فهو عليّ في علوّهم يعلو بهم أبدا في علوّ علوّهم في دار الأبد . وهم أعلون لأن الأعلى معهم ، فهم يعلون به ، وعليّون يعلو بهم هذا كله لأنه معهم . كما قال : وأنتم الأعلون والله معكم . فالرضا الأول الذي هو قبل المحبة مقام التوكَّل ، وحال المحبّ المحبوب حاله . والرضا الثاني الذي يكون بعد المحبة مقام المعرفة ، وحال المحبوب التوكل حاله . والمحبة من أشرف المقامات ليس فوقها إلا مقام الخلَّة . وهو مقام في المعرفة الخاصة وهي تخلَّل أسرار الغيب ، فيطلع على مشاهدة المحبوب باب يعطي حيطة بشيء من علمه بمشيئته على مشيئته التي لا تنقلب ، وعلمه القديم الذي لا يتغيّر . وفي هذا المقام الإشراف على بحار الغيوب وسرائر ما كان في القديم ، وعواقب ما يؤت . ومنه مكاشفة العبد بحاله وإشهاده من المحبة مقامه ، والإشراف على مقامات العباد من المآل والاطلاع عليهم في تقلبهم في الأبد حالا فحالا . وقد ذكر أبو يزيد البسطامي وأبو محمد سهل أنهما أقيما في هذا المقام ، ووصفا حاليهما منه . وقد كان لشقيق وابن أدهم البلخيين مطالعات في هذه المعاني . وقد سلك بابي الفيض في هذا الطريق ، فظهر على ما فيه مما يبهر من رأى انقلاب الأعيان وتبصرة بعظيم العيان . وهذا محجوب عن أوهام القلوب بعقولها ، ومستقرّ في جبّ غاية القلوب بأرواحها . فإذا خرجت النفس من الروح فكان روحانيّا خروج الليل من النهار تنفس المكروب ، وإذا خلا العقل عن القلب فكان ربّانيّا انفرجت الكروب . كما قال العارف : بحياتي يا حياتي * لا تبعد قرباتي أخرج النفس من الرو * ح وروّح كرباتي وقد قال أحسن القائلين : * ( ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ من عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ ) * [ البقرة : 255 ] ، والاستثناء واقع على إعطاء الحيطة بشيء من شهادة علمه ، بنور ثاقب من وصفه وشعاع لائح من سبحته إذ شاء . وهذا معنى من سرّ التوحيد لا يكشفه إلا عين اليقين ، ولا نظهره حتى يظهر لنا منه عارف ما عليه قد أوقف ، وما منه به قد كوشف . فحينئذ يقع