أبي طالب المكي
120
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
وقد كان أبو يزيد يقول : إن أعطاك مناجاة موسى وروحانية عيسى وخلة إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، فاطلب ما وراء ذلك ، فإنّ عنده فوق ذلك أضعافا مضاعفة ، فإن سكنت إلى ذلك حجبك به ، وهذا هو بلاء مثلهم في مثل حالهم لأنهم الأمثل فالأمثل بالأنبياء . فإذا لم ينظر العبد إلى جميع المطلوب ولم يقف على كون مرغوب أقامه حينئذ مقام محبوب ، فآواه في ظله وعطف عليه بحنانه ، ونظر إليه بعينه وواجهه بوجهه فتوجّه إليه ولم ينتن ، وسارع إلى قربه ولم ين فلم يشهد في وجهه وجها ، ولا رأى في يده يدا ، وقام بشهادته لقيوميته مشاهدا فهذا غاية الطالبين من العارفين . وقد قال بعض العارفين المحبين : كوشفت بأربعين حوراء ، رأيتهن يتساعين في الهواء عليهن ثياب من فضة وذهب وجوهر يتخشخشن ، وتنثني معهن . فنظرت إليهن نظرة فعوقبت أربعين يوما . قال : ثم كوشفت بعد ذلك بثمانين حوراء ، فوقهن في الحسن والجمال . وقيل : انظر إليهن قال : فسجدت وغمضت عيني في سجودي لئلا أنظر ، وقلت : أعوذ بك ممّا سواك ، لا حاجة لي بهذا . فلم أزل أتضرع حتى صرفن عني . ولله عزّ وجلّ مثل هذا العبد في كل قرن وزمان ما يكثر عدده ، متفرقين في أرضه ومنتشرين في بلاده ومخمولين مخبتين تحت ستره في عباده ، لا تستطيع العقول حمل وصفهم لضعفها ، ولا يثبت في القلوب حق نعتهم لوصفها أقل ما يوصفون به الإخلاص في الحركة والسكون ، وهو أجلّ ما عندنا . والإخلاص عند المخلصين خراج الخلق من معاملة الخالق ، فإذا لم يدخلوا كيف يخرجون ؟ وأول الخلق النفس ، فإذا لم يتكدر القلب بها كيف يصفى منها ؟ والإخلاص عند المحبين أن لا يعمل عملا لأجل نفس ، ولا دخل عليه مطالعة العرض والتشرف إلى حظ طبع ، بل للتعظيم . ولا يشرك محبوبا في حب ذي الجلال والإكرام ولا يعلق قلبه بما يروق نظره من جمال لما ملاه من نهاية الحسن وغاية الجمال ، ولا سبيل إلى هذا إلا بعد معرفته ، ولا معرفة قبل معاينته إذ ليس الخبر كالمعاينة . ولا معاينة إلا بنور اليقين ، ولا حق يقين بوجود هوى نفس . فإذا انكشف الحجاب وهوى الهوى طلعت عين اليقين ، فأنوار الصفات من الحسن والجمال والبهاء والكمال . في عين اليقين عينا بعد عين كنور فوق نور ، إلى نور النور . والإخلاص عند الموحدين خروج الخلق من النظر إليهم في الأفعال وترك السكون والاستراحة بهم في الأحوال . ومن الإخلاص في الصدق عند الصديقين سؤال الحجبة في قلوب الناس . كما قال بشر وقد سئل : بأي شيء بلغت هذه المنزلة ؟ فقال : كنت أكاتم الله تعالى حالي : معناه أسأله أن يكتم علي ويخفي أمري . وحدثت أنه رأى الخضر عليه السلام فقال : ادع الله تعالى لي فقال : يسر الله تعالى عليك طاعته . قال . قلت : زدني فقال : وسترها عليك .