أبي طالب المكي

121

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

فقيل في تأويل ذلك معنيان ، منهم من قال : وسترها عليك أي يسترك حتى لا تعرف بها كما ذكرنا آنفا . وقال بعضهم : أراد سترها عنك حتى لا تنظر أنت إليها . وقال بعضهم : قلقني الشوق إلى الخضر ، فسألت الله تعالى مرة أن يريني إياه ، ليعلمني شيئا كان أهم الأشياء علي . قال : فرأيته ، فما غلب على قلبي ولا همني إلا أن قلت له : يا أبا العباس ، علمني شيئا إذا قلته حجبت عن قلوب الخليقة ، فلم يكن لي فيها قدر ، ولم يعرفني أحد بصلاح ولا ديانة . فقال : قل : اللَّهم أسبل عليّ كثيف سترك وحط عليّ سرادقات حجبك ، واجعلني في مكنون غيبك واحجبني في قلوب خليقتك ، قال ثم غاب فلم أره ولم أشتق إليه بعد ذلك . قال فما تركت أن أقول هذه الكلمات في كل يوم . فحدثت أنّ هذا كان يستذل ويمتهن حتى كان أهل الذمة يسخرون به في الطريق ، يحملونه الأشياء في الطريق لسقوطه عندهم . وكان الصبيان يولعون به ، وكانت راحته ، في ذلك ووجود قلبه به واستقامة حاله عليه . وهذا طريق جماعة من السلف وحال طبقة من صادقي الخلف ، أخفوا أنفسهم وأسقطوا منازلهم فسموا عقلاء المجانين . وهذا من الزهد في النفس وحقيقة التواضع ، إلا أنه زهد مجانين الأولياء وتواضع موقني الضعفاء ، فالتكبّر يكون بثلاثة معان : تكبّر على الناس عجبا بالنفس ، وتكبّر في قلوب الناس عزّة من النفس ، أي يحب أن يكبر في قلوبهم فيكون ذلك تكبّرا منه ، وتكبّر في القلب عن نظره إلى صلاحه ودينه فيكبر ذلك عنده فيدل به . ولذلك رآه من نفسه لقصور علم اليقين منه . وهذا أدق معاني التكبر ولا يتخلص منه إلا صحيحو التوحيد ، صادقو اليقين مخلصو الصالحين . وأما التكبّر الظاهر الذي هو التطاول والفخر والتظاهر ، فذاك جلي وهو من أكثف حجب القلب وأقوى صفات النفس . فلذلك فزع العلماء من دقائقه لما عرفوه ، فطلبوا القلَّة والذلَّة للنفس ليمتهنوها بخفايا التواضع ، لينتفي عنهم دقائق الكبر لتخلص لهم الأعمال . والتواضع عند المتواضعين هو حقيقة أن يكون العبد ذليلا صفة لا متذللا متعمّدا للذّلة ، وأن يكون عند نفسه في نفسه وحيدا حقيرا معتقدا لصغره وحقارته في نفسه ، لا متواضعا متكلفا . وعلامة ذلك أن لا يغضب إذا عابه ونقصه عائب ، ولا يكره أن يذمه ويقذفه بالكبائر ذام . وبيان ذلك في وجده أن لا يجد طعم الذل في ذله ولا يشهد الضعة في تواضعه ، إذ قد صار ذلك له صفة . فمن ذلّ ووجد ذوق ذله فهو متعمل للتواضع ، ومن تواضع وشهد تواضعه وضعته فهذا متعذر ، وهي علامة بقية الأنفة في نفسه لنفسه . ومتى غضب أو كره ذمه من غيره فهو يفرح ويرضى بمدحه ، فإذا كانت فيه هذه العلامات فهو محجوب عن جميع ما ذكرناه من