يوسف بن تغري بردي الأتابكي
203
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة
وعجز أهل بلبيس وسائر الشرقية عن ضم الزرع لكثرة موت الفلاحين وكان ابتداء الوباء عندهم من أول فصل الصيف الموافق لأثناء شهر ربيع الآخر من سنة تسع وأربعين وسبعمائة ففاحت الطرقات بالموتى ومات سكان بيوت الشعر ودوابهم ومواشيهم وامتلأت مساجد بلبيس وفنادقها وحوانيتها بالموتى ولم يبق مؤذن وطرحت الموتى بجامعها وصارت الكلاب فيه تأكل الموتى ثم قدم الخبر من دمشق أن الوباء كان بها آخر ما كان بطرابلس وحماة وحلب فلما دخل شهر رجب والشمس في برج الميزان أوائل فصل الخريف هبت في نصف الليل ريح شديدة جدا واستمرت حتى مضى من النهار قدر ساعتين فاشتدت الظلمة حتى كان الرجل لا يرى من بجانبه ثم انجلت وقد علت وجوه الناس صفرة ظاهرة في وادي دمشق كله وأخذ فيهم الموت مدة شهر رجب فبلغ في اليوم ألفا ومائتي إنسان وبطل إطلاق الموتى من الديوان وصارت الأموات مطروحة في البساتين على الطرقات فقدم على قاضي القضاة تقي الدين السبكي قاضي دمشق رجل من جبال الروم وأخبر أنه لما وقع الوباء ببلاد الروم ورأى في نومه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه ما نزل بالناس من الفناء فأمره صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم اقرؤوا سورة نوح ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستين مرة واسألوا الله في رفع ما أنتم فيه فعرفهم ذلك فاجتمع الناس في المساجد وفعلوا ما ذكر لهم وتضرعوا إلى الله تعالى وتابوا إليه من ذنوبهم وذبحوا أبقارا وأغناما كثيرة للفقراء مدة سبعة أيام والفناء يتناقص كل يوم حتى زال فلما سمع القاضي والنائب ذلك نودي بدمشق باجتماع الناس بالجامع الأموي فصاروا به جمعا كبيرا وقرؤوا صحيح البخاري في ثلاثة أيام وثلاث