الأبشيهي

496

المستطرف في كل فن مستظرف

للمنصور فسأله حاجة فلم يقضها فعرض له بعد ذلك فقال له المنصور : أليس قد كلمتني مرة قبل هذه . قال : نعم يا أمير المؤمنين ولكن بعض الأوقات أسعد من بعض وبعض البقاع أعز من بعض فقال : صدقت وقضى حاجته وأحسن إليه . وروي أن أبا دلامة الشاعر كان واقفاً بين يدي السفاح في بعض الأيام فقال له : سلني حاجتك فقال : كلب صيد فقال : أعطوه إياه فقال : ودابة أصيد عليها فقال : أعطوه دابة . فقال : وغلاماً يقود الكلب ويصيد به قال : أعطوه غلاماً قال : وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه . قال : أعطوه جارية فقال : هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال ولا بد لهم من دار يسكنونها . قال : أعطوه داراً تجمعهم قال : فإن لم يكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون قال : قد أقطعته عشر ضياع عامرة وعشر ضياع غامرة فقال : ما الغامرة يا أمير المؤمنين قال : ما لا نبات فيها . قال : قد أقطعتك يا أمير المؤمنين مائة ضيعة غامرة من فيافي بني أسد فضحك وقال : اجعلوها كلها عامرة فانظر إلى حذقه بالمسألة ولطفه فيها كيف ابتدأ بكلب صيد فسهل القضية وجعل يأتي بمسألة بعد مسألة على ترتيب وفكاهة حتى سأل ما سأله ولو سأل ذلك بديهة لما وصل إليه . وحكي عن المأمون أنه قال ليحيى بن أكثم يوماً : سر بنا نتفرج فسارا فبينما هما في الطريق وإذا بمقصبة خرج منها رجل بقصبة للمأمون يتظلم له فنفرت دابته فألقته على الأرض صريعاً فأمر بضرب عنق ذلك الرجل فقال يا أمير المؤمنين : إن المضطر يرتكب الصعب من الأمور وهو عالم به ويتجاوز حد الأدب وهو كاره لتجاوزه ولو أحسنت الأيام مطالبتي لأحسنت مطالبتك ولأنت علي ما لم تفعل أقدر مني على رد ما قد فعلت . قال : فبكى المأمون وقال : بالله أعد علي ما قلت فأعاده فالتفت المأمون إلى يحيى بن أكثم وقال : أما تنظر إلى مخاطبة هذا الرجل بأصغريه والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " المرء بأصغريه قلبه ولسانه " . والله لا وقفت لك إلا وأنا قائم على قدمي فوقف وأمر له بصلة جزيلة واعتذر إليه فلما هم المأمون بالانصراف قال الرجل يا أمير المؤمنين : بيتان قد حضراني ثم أنشد يقول : [ من البسيط ] ما جاد بالوفر إلا وهو معتذر * ولا عفا قط إلا وهو مقتدر وكلما قصدوه زاد نائله * كالنار يؤخذ منها وهي تستعر وقيل : إن بعض الحكماء لزم باب كسرى في حاجة دهراً فلم يوصل إليه فكتب أربعة أسطر في ورقة ودفعها للحاجب فكان في السطر الأول : العديم لا يكون معه صبر على المطالبة وفي السطر الثاني : الضرورة والأمل أقدماني عليك وفي السطر الثالث : الانصراف من غير فائدة شماتة الأعداء وفي السطر الرابع : أما نعم فمثمرة وأما لا فمريحة . فلما قرأها كسرى دفع له في كل سطر ألف دينار . وحكي أن رجلا كان جاراً لابن عبيد الله فأصاب الناس قحط بالعراق حتى رحل أكثر الناس عنه فعزم جار ابن عبيد الله على الخروج من البلاد في طلب المعيشة وأنت له زوجة لا تقدر على السفر فلما رأت زوجها تهيأ للسفر قالت له : إذا سافرت من الذي ينفق علينا قال : إن لي على ابن عبيد الله دينار ومعي به أشهاد عليه شرعي فخذي الأشهاد وقدميه إليه فإذا قرأه أنفق عليك مما عنده حتى أحضر ثم ناولها رقعة كتب فيها هذه الأبيات يقول : [ من البسيط ]