الأبشيهي

487

المستطرف في كل فن مستظرف

وأما المتنسمون : فهم أهل الرياء المظهرون التعفف والنسك ومجانبة الحرام ومواظبة الصلاة والصيام لكي يشتهر ذكرهم عند الخاص والعام ثم يلقون ذوي الأموال بالبشر والإكرام والتلطف في المقال ويمشون إلى أبواب الملوك على صفة التهاني بالأعياد . وربما يأتي معه بأحد من الأولاد ويظهرون النزاهة والغنى ويجعلون الدين سلماً إلى الدنيا وأكثر أغراضهم أن تودع عندهم الأموال وتفوض إليهم الوصايا ويجلهم العوام وتقبل شهادتهم الحكام وتندبهم الملوك إلى الوصايا والأموال وهؤلاء أشر من اللصوص والقطاع وذلك أن شهرة اللصوص والقطاع تدعو إلى الاحتراز منهم وتشبه هؤلاء بأهل الخير يحمل الناس على الاغترار بهم . قال الشاعر : [ من البسيط ] صلى وصام لأمر كان أمله * حتى حواه فما صلى ولا صاما وقيل : لا فقير أفقر من غني يأمن الفقر . قال الشاعر . [ من الطويل ] ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى * وأن الغنى يخشى عليه من الفقر وأوصى بعض الحكماء ولده فقال له : يا بني عليك بطلب العلم وجمع المال فإن الناس طائفتان خاصة وعامة فالخاصة تكرمك للعلم والعامة تكرمك للمال . وقال بعض الحكماء : إذا افتقر الرجل اتهمه من كان به موثقاً وأساء به الظن من كان ظنه حسناً ومن نزل به الفقر والفاقة لم يجد بداً من ترك الحياء ومن ذهب حياؤه ذهب بهاؤه وما من خلة هي للغني مدح إلا وهي للفقير عيب فإن كان شجاعاً سمي أهوج وإن كان مؤثراً سمي مفسداً وإن كان حليماً سمي ضعيفاً وإن كان وقوراً سمي بليداً وإن كان لسناً سمي مهذاراً وإن كان صموتاً سمى عيياً قال ابن كثير : [ من البسيط ] الناس أتباع من دامت له نعم * والويل للمرء إن زلت به القدم المال زين ومن قلت دراهمه * حي كمن مات إلا أنه صنم لما رأيت أخلائي وخالصتي * والكل مستتر عني ومحتشم أبدوا جفاء وإعراضاً فقلت لهم * أذنبت ذنباً فقالوا ذنبك العدم وكان ابن مقلة وزيراً لبعض الخلفاء فزور عنه يهودي كتاباً إلى بلاد الكفار وضمنه أموراً من أسرار الدولة ثم تحيل اليهودي إلى أن وصل الكتاب إلى الخليفة فوقف عليه وكان عند ابن مقلة حظية هويت هذا اليهودي فأعطته درجاً بخطه فلم يزل يجتهد حتى حاكى خطه ذلك الخط الذي كان في المرج فلما قرأ الخليفة الكتاب أمر بقطع يد ابن مقلة وكان ذلك يوم عرفة وقد لبس خلعة العيد ومضى إلى داره وفي موكبه كل من في الدولة فلما قطعت يده وأصبح يوم العيد لم يأت أحد إليه ولا توجع له ثم اتضحت