الأبشيهي

486

المستطرف في كل فن مستظرف

المال أدنى ربح أوهمه أن مفاتيح الأرزاق بيده وإن كسد المشتري أو رخص أحال الأمر على الأقدار وقال ليس لي علم بالغيب . ومن أشد المطمعين المتعرضون لصنعة الكيمياء وهم الطماعون المطمعون في عمل الذهب والفضة من غير معلنها فيجب أن يحفر التقرب منهم والاستماع لهم في شيء من حديثهم فإن كذبهم ظاهر وذلك أنهم يوهمون الغير أنهم ينيلونهم خيراً ويطلعونهم على صنعتهم ابتداء منهم لا لحاجة وهذا يستحيل . ويحتجون بأن ما يلجئهم إلى ذلك إلا عدم الإمكان وتعذر المكان فمنهم من يكون شوقه إلى أن يدخل إلى مكان ويترك عنده عدة لها قيمة فيأخذها وينسحب ومنهما من يشترط أن عمله لا ينتهي إلى مدة فيقنع في تلك المدة بالأكل غدوة وعشية وسبيله بعد ذلك إن كان معروفاً قال : فسد علي العمل من جهة كيت وكيت ويقول للذي ينفق عليه : هل لك في المعاودة فإن حمله الطمع ووافقه كان هذا له أتم غرض ثم يحتال آخر المدة على الفراق بأي سبب كان . وإن كان منكوراً غافل صاحب المكان وخرج هارباً ومن المطمعين قوم يجعلون في الجبال أمارات من ردم وحجر ويأتون إلى أصحاب الأموال ويقولون : إنا نعرف علم كنز فيه من الإمارات كيت وكيت ثم يوقفونهم على ورقة متصنعة ويقولون : نريد أن تأخذ لنا عدة تنفق علينا ومهما حصل من فضل الله تعالى لنا ولك فيوافقهم على ذلك ويوطن نفسه على أن المدة تكون قريبة فيعملون يوماً أو يومين فيظهر لهم أكثر الإمارات فيزداد طمعاً ويعتقد الصحة ثم يدرجونه إلى أن ينفق عليهم ما شاء الله تعالى ويكون آخر أمرهم كصاحب الكيمياء . وإن كانوا منكورين ورغبتهم الطمعة في قماشه أو في العدة التي معه فربما قتلوه هناك لأجل ذلك ومضوا فهذا أمر المطمعين . وأما المبرطحون : فهم من الخونة والناس بهم أكثر غرراً . وذلك أنهم إذا ندب صاحب المال أحد منهم لشراء حاجة سارع فيها واحتاط في جودتها وتوفير كيلها أو وزنها أو درعها ووضع من أصل ثمنها شيئاً وزنه من عنده حتى يبيض وجهه عند صاحب المال ويعتقد نصحه وأمانته ونجح مساعيه وكذلك إن ندبه لشيء يبيعه استظهر واستجاد النقد ولا يزاد هكذا دأبه حتى يلقى مقاليد أموره إليه فيستعطفه ويفوز به ثم يغير الحال الأول في الباطن . فينبغي لصاحب المال أن لا يغفل عنه . وأما المحترفون الموهمون : فهم الذين يتعرضون لذوي الأموال فيظهرون لهم الغنى والكفاية ويباسطونهم مباسطة الأصدقاء ويعتمدون جودة اللباس ويستعملون كثيراً من الطيب ثم إن أحدهم يذكر أنه يربح الأرباح العظيمة . فيما يعانيه ويذكر ذلك مع الغير ولا يزال كذلك حتى يثبت ويستقر في ذهن صاحب المال أنه يكتسب في كل سنة الجمل الكثيرة من المال وأنه لا يبالي إذا أنفق أو أكل أو شرب فتشره نفس صاحب المال لذلك فيقول له على سبيل المداعبة يا فلان : تريد الدنيا كلها لنفسك لم لا تشركنا في متاجرك هذه وأرباحك فيقول له : أنت جبان يعز عليك إخراج الدينار وتظن أنك إن أظهرته خطف منك ولا تدري أنه مثل البازي إن أرسلته أكل وأطعمك وإن أمسكته لم يصد شيئاً واحتجت إلى أن تطعمه وإلا مات وأنا والله لو كان عندي علم أنك تنبسط لهذا كنت فعلت معك خيراً كثيراً ولكن ما كان إلا هكذا وما كان لا كلام فيه والعمل في المستأنف فيشكره صاحب المال ويسأله أخذ المال فيمطله بتسليمه فيزداد فيه رغبة إلى أن يسلمه إليه . فيكون حاله كحال المطمع إذا صار المال تحت يده .