الأبشيهي

832

المستطرف في كل فن مستظرف

على الدرهمين فلما كان اليوم الثاني خلا خاطر الملك فاستحضر الحظية التي عمل لها السوارين الذهب فحضرت وهما في يديها فأخذهما ليعيد نظره فيهما وفي حسن صنعتهما فقرأ الأبيات فتعجب وقال : هذا شرح حال صانعهما والمعلم يكذب فغضب عند ذلك وأمر بإحضار المعلم فلما حضر قال له : من عمل هذين السوارين . قال : أنا أيها الملك قال : فما سبب نقش هذه الأبيات . قال : لم يكن عليهما أبيات . قال : كذبت . ثم أراه النقش . وقال : إن لم تصدقني الحق لأضربن عنقك فأصدقه الحق . فأمر الملك بإحضار الصانع فلما حضر سأله عن حاله فحكى له قصته وما جرى له مع المعلم فرسم الملك بعزل المعلم وأن تسلب نعمته وتعطى للصانع وأن يكون عوضاً عنه في الخدمة ثم خلع عليه خلعة سنية وصار مقدماً سعيداً فلما نال هذه الدرجة . وتمكن عند الملك تلطف به حتى رضي عن المعلم الأول وصارا شريكين ومكثا على ذلك إلى آخر العمر . ورحم الله من قال : [ من الطويل ] إذا كان سعد المرء في الدهر مقبلا * تدانت له الأشياء من كل جانب وقال آخر : [ من السريع ] ما سلم الله هو السالم * ليس كما يزعم الزاعم تجري المقادير التي قدرت * وأنف من لا يرتضي راغم وقال كعب بن زهير : [ من البسيط ] لو كنت أعجب من شيء لأعجبني * سعي الفتى وهو مخبوء له القدر يسعى الفتى لأمور ليس يدركها * والنفس واحدة والهم منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل * لا ينتهي ذاك حتى ينتهي العمر وروي في الإسرائيليات أن نبياً من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مر بفخ منصوب وإذا بطائر قريب منه . فقال له الطائر : يا نبي الله : هل رأيت أقل عقلا ممن نصب هذا الفخ ليصيدني به وأنا أنظر إليه قال : فذهب عنه ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع وإذا بالطائر في الفخ فقال له : عجباً لك ألست القائل كذا وكذا آنفاً . فقال : يا نبي الله إذا جاء الحين لم يبق أذن ولا عين . ويروى أن رجلا قال لبزرجمهر تعال نتناظر في القدر . قال : وما تصنع بالمناظرة قال : رأيت شيئاً ظاهراً استدلت به على الباطن رأيت جاهلا مبروراً وعالماً محروماً فعلمت أن التدبير ليس للعباد . ولما قدم موسى بن نصير بعد فتح الأندلس على سليمان بن عبد الملك قاله له يزيد بن المهلب : أنت أدهى الناس وأعلمهم فكيف طرحت نفسك في يد سليمان فقال : إن الهدهد ينظر إلى الماء في الأرض على ألف قامة ويبصر القريب منه والبعيد على