الأبشيهي
817
المستطرف في كل فن مستظرف
الفصل الأول في الدعاء وآدابه قال الله تعالى : " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان " . " البقرة : 186 " . اختلف في سبب نزولها فقال مقاتل : إن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه واقع امرأته بعدما صلى العشاء في رمضان فندم على ذلك وبكى وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ورجع مغتماً وكان ذلك قبل الرخصة فنزلت هذه الآية : " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب " . وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : قالت اليهود كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام وغلظ كل سماء مثل ذلك فنزلت هذه الآية . وقال الحسن : إن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت هذه الآية . قوله تعالى : " أجيب دعوة الداع إذا دعان " أي أقبل عبادة من عبدني . فالدعاء بمعنى العبادة والإجابة بمعنى القبول . وقال قوم : إن الله تعالى يجيب كل الدعاء فأما أن يعجل الإجابة في الدنيا وإما أن يكفر عن الداعي وإما أن يدخر له في الآخرة لما رواه أبو سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث : إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له ثوابها . وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها " . وروي أنه إذا كان يوم القيامة واستقر أهل الجنة في الجنة فبينما العبد المؤمن في قصره وإذا ملائكة من عند ربه يأتونه بتحف من عند الله . فيقول ما هذا أليس الله قد أنعم علي وأكرمني فيقولون ألست كنت تدعو الله في الدنيا هذا دعاؤك الذي كنت تدعوه قد أدخر لك . واعلم أن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط فشرط الداعي أن يكون عالماً بأن لا قادر إلا الله وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب فإن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب لاه وأن يكون متجنباً لأكل الحرام ولا يمل من الدعاء ومن شروط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعاً كما قال عليه الصلاة والسلام : ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم . قال ابن عطاء الله : إن الدعاء أركاناً وأجنحة وأسباباً وأوقاتاً فإن وافق أركانه قوي وإن وافق أجنحته طار إلى السماء وإن وافق مواقيته فاز وإن وافق أسبابه نجح فأركانه حضور القلب والخشوع وأجنحته الصدق ومواقيته الأسحار وأسبابه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ومن شروط الدعاء أن يكون سليماً من اللحن كما قال بعضهم :