الأبشيهي
804
المستطرف في كل فن مستظرف
وحكى الأصمعي أن عجوزاً من الأعراب جلست في طريق مكة إلى فتيان يشربون نبيذاً فسقوها قدحاً فطابت نفسها فتبسمت فسقوها قدحاً آخر فاحمر وجهها وضحكت فسقوها ثالثاً فقالت خبروني عن نسائكم بالعراق أيشربون النبيذ قالوا : نعم قالت : زنين ورب الكعبة والله إن صدقتم ما فيكم من يعرف أباه . وصلى أعرابي خلف إمام فقرأ : " إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه " نوح : 1 . لا ثم وقف وجعل يرددها فقال الأعرابي أرسل غيره يرحمك الله وأرحنا وأرح نفسك . وصلى آخر خلف إمام فقرأ : " فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي " يوسف : 80 . ووقف وجعل يرددها فقال الأعرابي : يا فقيه إذا لم يأذن ذلك أبوك في هذا الليل نظل نحن وقوفاً إلى الصباح ثم تركه وانصرف . ولزم أعرابي سفيان بن عيينة مدة يسمع منه الحديث فلما أن جاء ليسافر قال له سفيان : يا أعرابي ما أعجبك من حديثنا . قال : ثلاثة أحاديث حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب الحلوى والعسل وحديثه عليه الصلاة والسلام : إذا وضع العشاء وحفرت الصلاة فابدأوا بالعشاء وحديث عائشة عنه أيضاً : ليس من البر الصوم في السفر وانفرد الرشيد وعيسى بن جعفر ومعه الفضل بن يحيى فإذا هو بشيخ من الأعراب على حمار وهو رطب العينين فقال له الفضل : هل أدلك على دواء لعينيك قال : ما أحوجني إلى ذلك قال : خذ عيدان الهواء وغبار الماء فصيره في قشر بيض الذر واكتحل به ينفعك فانحنى الشيخ وضرط ضرطة قوية وقال : خذ هذه في لحيتك أجرة وصفتك وإن زدت زدناك . فضحك الرشيد حتى استلقى على ظهر دابته . وخرج معن بن زائدة في جماعة من خواصه للصيد فاعترضهم قطيع ظباء فتفرقوا في طلبه وانفرد معن خلف ظبي حتى انقطع عن أصحابه فلما ظفر به نزل فذبحه فرأى شفي مقبلا من البرية على حمار فركب فرسه واستقبله فسلم عليه فقال : من أين وإلى أين قال : أتيت من أرض لها عشرون سنة مجدبة وقد أخصبت في هذه السنة فزرعتها مقثاة فطرحت في غير وقتها فجمعت منها ما استحسنته وقصدت به معن بن زائدة لكرمه المشكور وفضله المشهور ومعروفه المأثور وإحسانه الموفور قال : وكم أملت منه قال : ألف دينار قال : فإن قال لك كثير قال : خسمائة قال : فإن قال لك كثير . قال : ثلاثمائة . قال : فإن قال لك كثير . قال : مائة قال : فإن قال لك كثير . قال : خمسين قال : فإن قال لك كثير . قال : فلا أقل من الثلاثين قال : فإن قال لك كثير . قال أدخل قوائم حماري في حر أمه وأرجع إلى أهلي خائباً . فضحك معن منه وساق جواده حتى لحق بأصحابه ونزل في منزله وقال لحاجبه : إذا أتاك شيخ على حمار بقثاء فأدخل به علي فأتى بعد ساعة فلما دخل عليه لم يعرفه لهيبته وجلالته وكثرة حشمه وخدمه وهو متصدر في دسته والخدم والحفدة قيام عن يمينه وعن شماله وبين يديه فلما سلم عليه قال : ما الذي أتى بك يا أخا العرب قال : أملت الأمير وأتيته بقثاء في غير أوان فقال : كم