الأبشيهي
639
المستطرف في كل فن مستظرف
أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر قال : فأخذه العسس ليلة وحبسه ففقد أبو حنيفة صوته واستوحش له فقال لأهله : ما فعل جارنا الكيال قالوا : أخذه العسس وهو في الحبس فلما أصبح أبو حنيفة توجه إلى عيسى بن موسى فاستأذن عليه فأسرع إذنه وكان أبو حنيفة قليلا ما يأتي أبواب الملوك فأقبل عليه عيسى بن موسى وسأله عما جاء بسببه فقال : أصلح الله الأمير : إن لي جاراً من الكيالين أخذه عسس الأمير ليلة كذا فوقع في حبسه فأمر عيسى بن موسى بإطلاق كل من في الحبس إكراماً لأبي حنيفة فأقبل الكيال على أبي حنيفة يتشكر له فلما رآه أبو حنيفة قال له : هل أضعناك يا فتى يعرض له بشعره الذي ينشده قال : لا والله ولكنك بررت وحفظت . وكان عروة بن أدية ثقة في الحديث روى عنه مالك بن أنس وكان شاعراً مجيداً لبقاً غزلا وكان يصوغ ألحان الغناء على شعره وينحلها للمغنين . قيل : إنه وقفت عليه امرأة يوماً وحوله التلاميذ فقالت له : أنت الذي يقال فيك الرجل الصالح وأنت تقول : [ من البسيط ] إذا وجدت أوار الحب في كبدي * عمدت نحو سقاء القوم أبترد هبي بردت ببرد الماء ظاهره * فمن لنار على الأحشاء تتقد وكان عبد الملك الملقب بالقس عند أهل مكة بمنزلة عطاء بن أبي رباح في العبادة . قيل : إنه مر يوماً بسلامة وهي تغني فأقام يسمع غناءها فرآه مولاها فقال له : هل لك أن تدخل وتسمع فأبى فلم يزل به حتى دخل فغنته فأعجبته ولم يزل يسمعها ويلاحظ النظر حتى شغف بها فلما شعرت بلحظه إياها غنته : [ من السريع ] رب رسولين لنا بلغا * رسالة من قبل أن نبرحا الطرف للطرف بعثناهما * فقضيا حاجاً وما صرحا قال : فأغمي عليه وكاد يهلك فقالت له : إني والله أحبك . قال : وأنا والله أحبك قالت : وأحب أن أضع فمي على فمك . قال : وأنا والله كذلك . قالت : فما يمنعك من ذلك قال : أخشى أن تكون صداقة ما بيني وبينك عداوة يوم القيامة . أما سمعت قوله تعالى : " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " " الزخرف : 67 " . ثم نهض وعاد إلى طريقته التي كان عليها وأنشأ يقول : [ من الكامل ] قد كنت أعذل في السفاهة أهلها * فأعجب لما تأتي به الأيام فاليوم أعذرهم وأعلم إنما * سبل الضلالة والهدى أقسام وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية بالشام فأنزله في دار عياله وأظهر من إكرامه ما يستحقه فغاظ