الأبشيهي

638

المستطرف في كل فن مستظرف

وجب الشكر علينا * ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا * جئت بالأمر المطاع يدل عليه ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد الحرام حتى أكون أنا التي أسأمه ويدل عليه أيضاً ما روي في الصحيحين من حديث عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى يدففان ويضربان والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه فانتهرها أبو بكر فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه وقال : دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد وعن قرة بن خالد بن عبد الله بن يحيى قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه للنابغة الجعدي : أسمعني بعض ما عفا الله لك عنه من هناتك فأسمعه كلمة فقال له وإنك لقائلها . قال : نعم : طالما غنيت بها خلف جمال الخطاب وعن عبد الله بن عوف قال : أتيت باب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فسمعته يغني بالركابية يقول : [ من الطويل ] فكيف ثوائي بالمدينة بعدما * قضى وطراً منها جميل بن معمر وكان جميل بن معمر من أخصاء عمر قال فلما استأذنت عليه قال لي : أسمعت ما قلت قلت : نعم . قال : إذا خلونا ما يقول الناس في بيوتهم وقد أجازوا تحسين الصوت في القراءة والأذان فإذا كانت الألحان مكروهة فالقراءة والأذان أحق بالتنزيه عنها وإن كانت غير مكروهة فالشعر أحوج إليها لإقامة الوزن وما جعلت العرب الشعر موزوناً إلا لمد الصوت والدندنة ولولا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنشور . ومن حجة من كره الغناء أنه قال : إنه ينفر القلوب ويستفز العقول ويبعث على اللهو ويبعث على الطرب وهذا باطل في أصله وتأولوا في ذلك قوله تعالى : " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً " " لقمان : 6 " . وأخطأ من أول هذا التأويل إنما نزلت هذه الآية في قوم كانوا يشترون الكتب من أخبار السير والأحاديث القديمة ويضاهون بها القرآن ويقولون : إنها أفضل منه وليس من سمع الغناء يتخذ آيات الله هزواً وقال رجل للحسن البصري : ما تقول في الغناء يا أبا سعيد فقال : نعم العون على طاعة الله تعالى يصل الرجل به رحمه ويواسي به صديقه . قال : ليس عن هذا أسألك . قال : وعم سألتني قال : أن يغني الرجل . قال : وكيف يغني فجعل الرجل يلوي شدقيه ويفتح منخريه فقال الحسن : والله يا ابن أخي ما ظننت أن عاقلا يفعل بنفسه هذا أبداً فلم ينكر الحسن عليه إلا تشويه وجهه وتعويج فمه وسمع ابن المبارك سكران يغني هذا البيت : [ من الوافر ] أذلني الهوى فأنا الذليل * وليس إلى الذي أهوى سبيل قال : فأخرج دواة وقرطاساً وكتب البيت فقيل له : أتكتب بيت شعر سمعته من رجل سكران فقال : أما سمعتم المثل : رب جوهرة في مزبلة . وكان لأبي حنيفة جار من الكيالين مغرم بالشراب وكان يغني على شرابه يقول العرجي : [ من الوافر ]