الأبشيهي

552

المستطرف في كل فن مستظرف

فتفرس ذلك أيضاً فقرأ " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده " " الشورى : 25 " . وحكي عن الشافعي ومحمد بن الحسن أنهما رأيا رجلاً فقال أحدهما : إنه نجار وقال الآخر إنه حداد فسألاه عن صنعته ، فقال : كنت حدادا وأنا الآن نجار . وحكي أن شخصاً من أهل القرآن سأل بعض العلماء مسألة فقال له : اجلس فإني أشم من كلامك رائحة الكفر فاتفق بعد ذلك أنه سافر السائل فوصل إلى القسطنطينية فدخل في دين النصرانية قال : من رآه : ولقد رأيته متكئاً على دكة وبيده مروحة يروح بها عليه فقلت : السلام عليكم يا فلان فسلم علي وتعارفنا ثم قلت له بعد ذلك : هل القرآن باق على حاله أم لا فقال له : لا أذكر منه إلا آية واحدة وهي قوله تعالى : " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " الحجر : 2 . قال : فبكيت عليه وتركته وانصرفت وكان الحسن ابن السقاء من موالي بني سليم ولم يكن في الأرض أحزر منه كان ينظر إلى السفينة فيحزر ما فيها فلا يخطئ وكان حذره للمكيول والموزون والمعدود سواء . كان يقول في هذه الرمانة كذا وكذا حبة وزنتها كذا وكذا ويأخذ العود الآس فيقول فيه كذا وكذا ورقة فلا يخطئ . وقالوا إذا رأيت الرجل يخرج بالغداة ويقول لشيء ما عند الله خير وأبقى فاعلم إن جواره وليمة ولم يدع إليها وإذا رأيت قوماً يخرجون من عند قاض وهم يقولون ما شهدنا إلا بما علمنا فاعلم أن شهادتهم لم تقبل . وإذا قيل للمتزوج صبيحة البناء على أهله كيف ما تقدمت عليه فقال : الصلاح خير من كل شيء فاعلم أن امرأته قبيحة وإذا رأيت إنساناً يمشي ويلتفت فاعلم أنه يريد أن يحدث . وإذا رأيت فقيراً يعدو ويهرول فاعلم أنه في حاجة غني . وإذا رأيت رجلاً خارجاً من عند الوالي وهو يقول يد الله فوق أيديهم فاعلم أنه صفع . ويقال عين المرء عنوان قلبه . وكانوا يقولون عظم الجبين يدل على البله وعرضه يدل على قلة العقل وصغره يدل على لطف الحركة وإذا وقع الحاجب على العين دل على الحسد والعين المتوسطة في حجمها دليل الفطنة وحسن الخلق والمروءة والتي يطول تحديقها يدل على السمع والأذن الكبيرة المنتصبة تدل على حمق وهذيان وكانت الفرس إذا تقول فشا الموت في الوحوش دل على ضيقه وإذا فشا في الفأر دل على الخصب وإذا نعق غراب فجاوبته دجاجة عمر الخراب وإذا قوقت دجاجة فجاوبها غراب خرب العمار . والله أعلم بكل شيء عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد أو عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين . وأما النوم والسهر وما جاء فيهما : فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أشراف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل " . وروي أن أم سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام قالت : يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن صاحب النوم يجيء يوم القيامة مفلساً وكان زمعة بن صالح ليلاً طويلاً فإذا أسحر نادى أهله :