الأبشيهي

506

المستطرف في كل فن مستظرف

وأما الكسب : فقد جاء في تفسير قوله تعالى : " وعلمناه صنعة لبوس لكم " . " الأنبياء : 80 " أي دروع من الحديد وذلك أن داود عليه الصلاة والسلام كان يدور في الصحاري فإذا رأى من لا يعرفه تحدث معه في أمر داود فإذا سمعه عابه بشيء يصلحه من نفسه فسمع يوماً من يقول : إني لا أجد في داود عيباً إلا أنه يأكل من غير كسبه فعند ذلك صلى داود عليه الصلاة والسلام في محرابه وتضرع بين يدي الله تعالى وسأله أن يعلمه ما يستعين به على قوته فعلمه الله تعالى صنعة الحديد وجعله في يده كالشمع فاحترفها واستعان بها على أمره وسار يحكم منها الدروع . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جعل رزقي تحت ظل رمحي فكانت حرفته الجهاد " . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله يحب العبد المحترف " . وقال صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى يبغض العبد الصحيح الفارغ " . وقال عليه الصلاة والسلام : " من اكتسب قوته ولم يسأل الناس لم يعذبه الله تعالى يوم القيامة " . ولو تعلمون ما أعلم من المسألة لما سأل رجل رجلا شيئاً وهو يجد قوت يومه وليس عند الله أحب من عبد يأكل من كسب يده إن الله تعالى يبغض كل فارغ من أعمال الدنيا والآخرة . وعن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من بات في طلب الحلال أصبح مغفوراً له " . وعن الحسن رحمه الله : كسب الدرهم الحلال أشد من لقاء الزحف . وقيل لمحمد بن مهران : إن هاهنا أقواماً يقولون نجلس في بيوتنا وتأتينا أرزاقنا فقال : هؤلاء قوم حمقى إن كان لهم مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن فليفعلوا وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة . وقال أيضاً : إني لأرى الرجل فيعجبني فأقول : أله حرفة فإن قالوا لا سقط من عيني واشترى سليمان وسقاً من طعام وهو ستون صاعاً فقيل له في ذلك فقال : إن النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت قال بعضهم في السعي : [ من الكامل ] وقيل : إن أول من صنع لسان الميزان عبد الله بن عامر وكان الناس إنما يزنون بالشاهيني . وعن أنسى رضي الله عنه قال : غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله : سعر لنا فقال : إن الله الخالق القابض المسعر الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس أحد يطلبني بمظلمة ظلمته بها في أهل ولا مال . وأما ما جاء في العجز والتواني : فقد روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال : من أطاع التواني ضيع الحقوق ومن العجز طلب ما فات مما لا يمكن استدراكه وترك ما أمكن مما تحمد عواقبه . قال الشاعر : [ من الطويل ] على المرء أن يسعى ويبذل جهده * ويقضي إله الخلق ما كان قاضيا ومثله قوله : [ من الطويل ] على المرء أن يسعى ويبذل نفعه * وليس عليه أن يساعده الدهر