الأبشيهي
505
المستطرف في كل فن مستظرف
الباب الخامس والخمسون في العمل والكسب والصناعات والحرف وما أشبه ذلك أما العمل : فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أفضل العمل أدومه وإن قل " . وقال علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه : قليل مدام عليه خير من كثير مملول . وفي التوراة : حرك يدك أفتح لك باب الرزق . وكان إبراهيم بن أدهم يسقي ويرعى ويعمل بالكراء ويحفظ البساتين والمزارع ويحصد بالنهار ويصلي بالليل . وعن علي رضي الله تعالى عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا وسول الله : ما ينفي عني حجة العلم قال : العمل . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني " . وقال الأوزاعي : إذا أراد الله بقوم سوءاً أعطاهم الجدل ومنعهم العمل . وأنشد يقول : [ من الطويل ] وما المرء إلا حيث يجعل نفسه * ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل وقال بعض الحكماء : لا شيء أحسن من عقل زانه حلم ومن عمل زانه علم وإن حلم زانه صدق . ودخل بعض الخواص على إبراهيم بن صالح وهو أمير فلسطين فقال له : عظني . فقال له الولي : بلغني رحمك الله أن الأعمال الأحياء تعرض على أقاربهم الموتى فانظر ماذا تعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من عملك . فبكى إبراهيم حتى سالت دموعه . وقيل : من جد وجد وأنشدوا في المعنى : [ من البسيط ] إني رأيت وفي الأيام تجربة * للصبر عاقبة محمودة الأثر وقل من جد في أمر يحاوله * واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر وتقول العرب : فلان وثاب على الفرص وقال بعضهم : [ من الطويل ] وإني إذا باشرت أمراً أريده * تدانت أقاصيه وهان أشده وعن أنس رضي الله تعالى عنه : يتبع الميت ثلاث . يرجع اثنان ويبقى واحد يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ولا يرجع عمله . وقال بعضهم : العمل سعي الأركان إلى الله والنية سعي القلوب إلى الله والقلب ملك والأركان جنود ولا يحارب الملك إلا بالجنود ولا الجنود إلا بالملك . وقيل : الدنيا كلها ظلمات إلا موضع العلم والعلم كله هباء إلا موضع العمل والعمل كله هباء إلا موضع الإخلاص هذا هو العمل .