الجواد الكاظمي
105
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
فقلت : يا رسول اللَّه أوصي بمالي كله ؟ قال : لا . قلت : النصف ؟ قال : لا . قلت : الثلث ؟ قال : الثلث كثير ، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم - الخبر ] ولا يصل في القلَّة بحيث يتجاوز الحد فان من ملك الكثير فأوصى لأقربائه مثلا بدرهم لم يكن وصية بالمعروف . ويحتمل أن يرجع إلى الموصى لهم ، على أنه أمر بطريق العدل لا نحو أن يوصى للغنى ويترك الفقير أو يوصى للبعيد ويترك القريب . ولا يبعد الحمل على جميع ذلك لصلاحية اللفظ له . « حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ » مصدر مؤكد لمضمون الجملة ، أي حق ذلك حقا ثابتا على الذين يتقون من المعاصي ، فكأنهم خصوا بعد فهم التعميم من « عليكم » لشرفهم وكثرة انتفاعهم . وقد اختلف في كون الآية منسوخة أو محكمة [ فذهبت الحنفية بل أكثر العامة إلى كونها منسوخة ] . قال في الكشاف ( 1 ) ان الوصية كانت في بدء الإسلام واجبة فنسخت بآية المواريث ، ولقوله ( 2 ) صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم « ان اللَّه أعطى كل ذي حق حقه ، ألا لا وصية لوارث » .
--> ( 1 ) الكشاف ج 1 ص 224 . ( 2 ) أخرجه في المنتقى بشرح نيل الأوطار ج 6 ص 43 وفيه انه أخرجه الخمسة إلا النسائي قال في المنار ج 2 ص 138 : فقد علم مما تقدم ان آية المواريث لا تعارض آية الوصية فيقال بأنها ناسخة لها إذا علم أنها بعدها واما الحديث فقد أرادوا أن يجعلوا له حكم المتواتر أو يلصقوه بتلقي الأمة له بالقبول ليصلح ناسخا . على أنه لم يصل إلى درجة ثقة الشيخين به فلم يروه أحد منهما مسندا ورواية أصحاب السنن محصورة في عمرو بن خارجة وأبي إمامة وابن عباس وفي اسناد الثاني إسماعيل بن عياش تكلموا فيه وانما حسنه الترمذي لأن إسماعيل يرويه عن الشاميين وقد قوى بعض الأئمة روايته عنهم خاصة . وحديث ابن عباس معلول إذ هو من رواية عطاء عنه وقد قيل إنه عطاء الخراساني وهو لم يسمع من ابن عباس وقيل عطاء بن أبي رباح فإن أبا داود أخرجه في مراسيله عنه وما أخرجه البخاري من طريق عطاء بن أبي رباح موقوف على ابن عباس وما روى غير ذلك فلا نزاع في ضعفه . فعلم أنه ليس لنا رواية للحديث صححت إلا رواية عمرو بن خارجة والذي صححها هو الترمذي وهو من المتساهلين في التصحيح وقد علمت أن البخاري ومسلم لم يرضياها فهل يقال إن حديثا كهذا تلقته الأمة بالقبول انتهى . قلت وأقر ابن حجر في فتح الباري ج 6 ص 301 بان اسناد كل منها لا يخلو عن مقال .