الشيخ حسن الجواهري

90

بحوث في الفقه المعاصر

المشتري بثمن معجل أقل مما باع به . « وقد قال بحرمة هذا البيع مالك واحمد لأنها حيلة لربا النسيئة » وقد احتج لهؤلاء « بحديث عائشة حينما أخبرتها أم محبة بأنها كانت لها جارية ، فباعتها لزيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى عطائه ، وأنه أراد بيعها ، فابتاعتها منه بستمائة ، فقالت عائشة بئسما شريت وبئسما اشتريت فأبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلاّ أن يتوب . فقالت لها : أرأيت إن لم آخذ منه إلاّ رأس مالي ؟ فقالت : « فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف » ( 1 ) . وقد استدل ابن القيم على تحريم العينة بما روي عن الأوزاعي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : « يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع » ثم قال : « وهذا الحديث وإن كان مرسلا فإنه صالح للإعتضاد به بالاتفاق . . . فإنه من المعلوم أن العينة عند من يستعملها إنما يسميها بيعاً ، وقد اتفقا على حقيقة الربا الصريح قبل العقد ، ثم غير اسمها إلى المعاملة وصورتها إلى التبايع الذي لا قصد لهما فيه البتة ، وإنما هو حيلة ومكر وخديعة لله تعالى » ( 2 ) . ولنا أن نقول : لا دلالة فيما نقل عن عائشة على الحرمة ، لأنه فهم خاص لها حجة عليها ، وليس هو أثراً عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى يكون معتبراً ، وأما الحديث الذي رواه ابن الأوزاعي فلا يستفاد منه تحريم هذه الطريقة التي ذكرناها ، بل يفهم منه أنه قد يستحل الربا بالبيع ولكن أي بيع يستحل فيه الربا فيكون حراماً ؟ فهذا غير واضح من الحديث ، بالإضافة إلى إرساله كما ذكر ، والإعتضاد غير محقق . وإما ما ذكره ابن القيم من عدم القصد إلى بيع العينة فهي دعوى من دون دليل ، إذ القصد أمر نفساني يكشف عنه الإنشاء من قبل

--> ( 1 ) نظرية الربا المحرم : 202 ، عن القرطبي : 3 / 359 - 361 . ( 2 ) نيل الأوطار : 5 / 206 - 207 عن نظرية الربا : 204 .