الشيخ حسن الجواهري
38
بحوث في الفقه المعاصر
هذا ، وقد قام النبي ( صلى الله عليه وآله ) بتأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة بعد هجرته من مكة وتبعه على ذلك أصحابه ، وهو لا يعمل ولا ينطق عن هوى إن هو إلا وحي يوحى ، وهو دليل صارم على أن الدين الإسلامي يتوّج بدولة إسلامية تكون لها صلاحية تطبيق هذا الدين على أجزاء المعمورة كما أراد الله ذلك . أما ما استدل به من أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال للرجل الذي أصابته رعدة شديدة : « هوّن عليك فإني لست بملك ولا جبار ، وإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة » . فهو بعد غضّ النظر عن سنده فإن معناه صحيح لأن النبي يريد أن يقول : إني لست ملكاً كبقية الملوك يحكّم هواه ويظلم الناس ويتجبر في الأرض ، وقد نبّه الإمام علي ( عليه السلام ) عامله ( مالك الأشتر ) حينما أرسله عاملاً على مصر فقال له فيما أوصاه به : « واشعر قلبك الرحمة للرعية ، والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان : إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق » ( 1 ) . وأما حديث « أنتم أعلم بشؤون دنياكم » الذي نسب إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فهو مخدوش سنداً ودلالةً ، لأنه ينسب إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) شيئاً لا يمكن أن يقول به أي إنسان نشأ في مجتمع أهم زراعة فيه هي زراعة النخل مع العلم بأن تأبير النخل ضروري لإنتاجه ويعرفها كل أحد . على أن الحكم ليس هو من أمور الدنيا ، وإنما هو أحكام شرعية سماوية لنظم أمور الناس على أساس العدالة التي لا يعرفها منها إلا الله تعالى
--> ( 1 ) نهج البلاغة / صبحي الصالح : ص 427 .