حسن الأمين
100
مستدركات أعيان الشيعة
المعاصرين له ، بل قل ان نرى له نظيرا في ذلك بين المتقدمين . كانت المضامين التي يستعملها القاآني في غزله وتشبيبه ووصفه للطبيعة هي نفس المضامين التي استعملها مئات من الشعراء الإيرانيين قبله وبعده في قصائدهم ، ولكنه اختلف عنهم في ابتداعه لتراكيب جديدة في الكلام بحيث يمتلك مشاعر قرائه وينسيهم قصائد المتقدمين والظاهر أنه أول من استعمل مثل تلك الأساليب الجميلة والعبارات الجريئة . ولكن إلى جانب كل القدرة التي تمتع بها في الوصف والتشبيه بقيت قصائده فقيرة من حيث المحتوى والمضمون . لم يمتنع القاآني في تشبيبه وغزله أو في هزله وهجائه عن استعمال الألفاظ الفظة والركيكة في بعض الأحيان ، ويصف - دون حياء - الأحداث المخالفة للعفة والأخلاق ومجالس اللهو والمجون ، ولا يتردد في الحديث عن الأمور الجنسية بأسلوب مخالف للفطرة . ولم يكن القاآني يعرف حدودا ، في مدح نفسه أو مدح وذم الآخرين ، فقد كان ينسب الصفات السامية إلى أوضع رجال البلاط وحتى الغلمان والخدم ممن هم بعيدون كل البعد عن تلك الصفات ، ولكنه يقول ذلك مبالغة وإغراقا في التملق والتزلف . وإلى ذلك لم يكن وفيا لممدوحيه والمنعمين عليه ، فما يكاد هؤلاء يبتعدون أو يبعدون عن مناصبهم حتى ينسى جميع فضائلهم ونعمهم ، فمثلا بعد أن وصف أحدهم بقلب العالم وروح العالم والإنسان الكامل وخواجة العالمين ومظهر الباري وموصل فيض الخالق إلى المخلوق تراه ينقلب رأسا على عقب فيصفه بكل قسوة بالظالم الشقي . وغلبت الركة والتهتك في بيان المواضيع على كتابه ( پريشان ) الذي جاء تقليدا ضعيفا لكتاب سعدي ( گلستان ) ، وكانت هاتين الصفتان سببا في الحط من قدر الكتاب والتقليل من أهميته . وكان وضعه لكتاب ( پريشان ) الذي ألفه باسم محمد شاه القاجاري استجابة لرغبة أحد الأعيان ، وفرغ من تاليفه في العشرين من رجب عام 1252 ه ، وهو يشتمل على 121 حكاية كبيرة وصغيرة في مختلف المواضيع ، وعلى حد قول المؤلف : « جاء مزيجا بين الجد والهزل والشعر والنثر » . وهو ينتهي بفصل في نصيحة أبناء الملوك . والطابع الغالب على كتابه هو الوعظ والنصح ، وكان قصد المؤلف من جميع الحكايات الوصول إلى نتائج أخلاقية ، ولكن إذا ما وضعناها تحت المحك وعرضناها للنقد رأينا ركتها وضعف شأنها ، ليس لأنها لا تخلص إلى نتائج أخلاقية وحسب ، بل لأن أغلبها جاء بأسلوب متهتك وبعيد عن الأخلاق والأدب . وإذا ما رأينا بعض [ الحكابات ] الحكايات التي حافظت إلى حد ما على الأدب ، فإنها في حقيقتها حكايات مبتذلة ، كتبت مرارا قبله بأسلوب أفصح وعبارات أبلغ . كان القاآني يجيد إلى جانب لغته الأم اللغتين العربية والتركية بطلاقة ، وهو أول شاعر إيراني يتعلم اللغة الفرنسية ، فقد ذكر بعض المؤرخين بهذا الشأن ما يلي : « بعد ان غضب الأمير الكبير الميرزا تقي خان على القاآني وقطع راتبه المقرر له كشاعر في البلاط ، توسط له اعتضاد السلطنة لدى الأمير ، وتمنى عليه ان يعيد له راتبه . فقال الأمير : ما ذا يجيد غير الشعر ؟ أجاب اعتضاد السلطنة : يجيد الفرنسية إلى حد ما . فدفع له الأمير الكبير كتابا في الزراعة باللغة الفرنسية وطلب منه ترجمته إلى الفارسية ، فكان القاآني يترجم منه فصلا في كل أسبوع ويرسله إلى الأمير بواسطة اعتضاد الدولة ويتقاضى عنه ما يقارب الخمسة تومانات » . ويذكر محمد علي الفروغي ان بعض هذه الاجزاء التي ترجمها القاآني بقيت محفوظة حتى فترة قريبة لدى نجم الدولة الميرزا عبد الغفار . وخلال مدة إقامته في شيراز التي استمرت ثلاث سنوات من عام 1259 إلى عام 1262 هكان القاآني يستثمر أوقات فراغه ، ويتعلم اللغة الإنجليزية ، واستمر في ذلك لثلاثة أو أربعة أشهر كما ذكر هو ، وقد أحرز بعض التقدم في هذا المجال ( 1 ) الميرزا حبيب الاصفهاني المعروف ب ( دستان ) : من أهالي قرية بن من قرى لاربخش التابعة لمدينة [ شركرد ] شهر كرد ( محافظة جهار محال بختياري ) من كبار شعراء ومؤلفي العصر القاجاري . ( توفي عام 1305 هفي مدينة بروسة التركية . الميرزا حسن الاصفهاني المعروف بصفي علي شاه ابن الآقا محمد باقر أحد العارفين والشعراء المشهورين في العهد القاجاري : ولد في أصفهان في الثالث من شعبان عام 1251 . وكان أجداده يشتغلون بالتجارة في أصفهان وتعرف عائلتهم بلقب ( الصابري ) . وقد ذكر السيد احمد الديوان بيگي الشيرازي في كتابه ( حديقة الشعراء ) ان أباه كان يقوم ضمن اعماله التجارية باسفار عديدة ، ويتقصى اخبار العارفين ويحاول الوصول إليهم ، ومن هنا سلم ابنه لاحد العارفين وشجعه على سلوك طريقتهم ، وهكذا باشر الميرزا حسن الاصفهاني بدراسة علوم الأساسية وبعض العلوم المتفرقة ، مثل : الاعداد ، الطلاسم والحساب على يد الملا أبو طالب في أصفهان . واقتداء بابيه أخذ يبحث عن أهل العرفان ، حتى انتقل إلى شيراز ودخل في سلك مريدي الحاج زين العابدين الشيرواني الذي كان سائحا ومحققا ومؤلفا وواحدا من المشايخ المعروفين للفرقة النعمة اللهية . ثم انتقل منه إلى رحمة علي شاه الميرزا كوجك نائب الصدر الشيرازي الذي كان قطب زمانه ، فنال عنايته ، ولقبه ب ( صفي علي شاه ) ، ورحل بعد ذلك إلى بومبي باذن منه ، وهناك نظم مثنوي ( زبدة الأسرار ) في مجمل احداث صحراء كربلاء وطبعه ، ثم رحل إلى مكة وعاد بعدها إلى بومبي ، وفي غضون ذلك سمع بوفاة رحمة علي شاه فسافر إلى شيراز ومكث فيها برفقة الحاج الآقا محمد ( منور علي شاه ) الذي كان وصيا وقائم مقام لتلك الفرقة ، وبعد فترة امر بالتوجه إلى يزد ومنها إلى طهران . وعكف في طهران على تربية وإرشاد مريدي الطريقة ، وما زال يزاول هذا الأمر حتى فارق الحياة في الرابع والعشرين من ذي القعدة عام 1316 في طهران ، فدفن في الخانقاه الذي بناه قبل وفاته بثمان سنين ، والذي يقع بالقرب من ميدان بهارستان . تبع صفي علي شاه في حياته العديد من المريدين المؤمنين ، منهم : ظهير الدين صهر ناصر الدين شاه ، ووزير البلاط مظفر الدين شاه الذي خلف صفي علي شاه بعد وفاته .
--> ( 1 ) عبد الرفيع حقيقت .