حسن الأمين
42
مستدركات أعيان الشيعة
نعرض بعض مقامات الهمذاني على قواعد القصة ونطلق بصددها التعابير الجاهزة ، المقتبسة من قاموس الفن القصصي ، دون تحليل لهذه التعابير ومدى انطباقها على المقامات المعنية بالدرس . من ذلك أن أحد الباحثين ( 1 ) تناول « المقامة المؤصلية » بالبحث ، فاعتبر « أن القصة في روحها تكاد تكون كاملة الأركان » ، وفيها « تفصيل دقيق وتصوير بارع لأبطال القصة وأشخاصها » ، وأن « عنصر المخاطرة واضح جدا » ، كما أن الكاتب « يعطي للقصة شيئا من الحيوية والنشاط ويبعدها عن السذاجة » . وهكذا « فالعقدة في القصة محبوكة ، والانتقال واضح والحركة سريعة ، والعرض موفق خال من الفجوات ، والقصة بعد ذلك مليئة بالمفاجآت والوقائع المثيرة ، ولا تلبث القصة أن تنتهي نهاية فنية طيبة » . والواقع أن هذا الكلام العام ، المفتقر إلى أدلة وبراهين ، يتردد في التعليق على أكثر من مقامة يتراءى للسيد الباحث أنها قصة . فما نصيب هذه الآراء المطلقة من الصحة ؟ يقوم موضوع المقامة الموصلية ( 2 ) بشكل موجز على أن أبا الفتح الإسكندري وعيسى بن هشام عادا من الموصل إلى الوطن ، فتعرضا للنهب في الطريق ، والتجأ إلى بعض القرى حيث دخلا دارا مات صاحبها وعلا الصياح عليه . وكانوا يهيئون الميت على قدم وساق لدفنه ، عندما أقدم أبو الفتح على جس عرقه وقال : « يا قوم اتقوا الله لا تدفنوه فهو حي ، وإنما عرته بهتة ، وعلته سكتة ، وأنا أسلمه مفتوح العينين ، بعد يومين » . ثم قام أبو الفتح إلى « ضحيته » فجرده من ثيابه وعلق عليه التمائم . . . شاع الأمر بهذه المعجزة ، فانهالت العطايا والهدايا على أبي الفتح وعيسى ، وجهدا في الهروب ليفوزا بما حصلا من خيرات . وماطل أبو الفتح في نشر الميت ، ثم لم يعد من مفر من ساعة البعث ، فأشار أبو الفتح على أهل الميت بنزع التمائم وإنامته ثم إيقافه وتركه ، فهوى لا حراك به ! « وطن الإسكندري بفيه ، وقال : هو ميت كيف أحييه ؟ » . وبعد أن نال أبو الفتح نصيبه من الضرب انسل هاربا مع عيسى ، فيما كان أهل الميت منشغلين بتجهيزه . ولا تقف المقامة عند هذا الحد ، بل إن أبا الفتح وعيسى دخلا قرية على شفير واد يتهددها السيل وأهلها في هم وغم ، وكالعادة تبرع أبو الفتح بجهوده الخاصة لانقاذ أهل القرية من الأذى ، فأوصاهم بذبح بقرة صفراء في مجرى الماء ، وطالبهم بجارية عذراء ليبني بها ، وأشار عليهم بالصلاة خلفه ركعتين متانيتين ، بحيث يذهب عنهم الشر الذي يتهددهم ، وإلا فدمه عليهم حلال . فعملوا بارشاداته ، وكانت الركعتان اللتان طالتا فخلفتا فيهم أنين الأضلاع ، وفيما القوم في السجدة الثانية ووجوههم ملتصقة بالأرض ، لا يجرأون على رفع رؤوسهم لئلا تفسد صلاتهم ، انسل الرجلان وسلكا طريق الوادي ، وأبو الفتح ينشد متغنيا بحذقه وزوره على الناس . وبعد ، فهل من حسن التقدير وسلامة النهج أن نأخذ بما تقدم من أحكام حول هذه المقامة ؟ إن الدكتور الشكعة يتناول المقامة الموصلية باحكام جادة وينفي عنها السذاجة ، وهذا ، لعمري ، مما يخالف محتوى المقامة التي بين أيدينا ، ويناقض روحها في الصميم ! فأبو الفتح الإسكندري وعيسى بن هشام شخصيتان أطلقهما بديع الزمان الهمذاني بين الناس ، فعاشا معهم ورافقا مجالسهم وضحكا في ندواتهم وتندرا في أسمارهم ، فغدوا شخصيتين شعبيتين يتسمان بصفات المكر المحبب ، والخداع الظريف ، والكدية المستملحة ، والكذب المستلطف ، والتجري والتملق والتخابث وغيرها من الصفات التي لا نحكم عليها بنفس رصينة وروح صارمة ، بل نتناولها تناولا هينا ، لأنها تصدر عن شخصين فكهين نستغرب منهما الرزانة والاستقامة ، لأننا ألفنا الخفة والطيش والدعابة في سلوكهما ، وخاصة لدى أبي الفتح . المقامات أدب شعبي : وهكذا فنحن تجاه شخصيتين شعبيتين تذكراننا على نحو ما بالشخصيات الشعبية « التاريخية » ، كعنتر وجحا وقراقوش وغيرهم ، مع العلم أن لكل من هذه الشخصيات تركيبها الذي علق في أذهان القوم وظروفها الاجتماعية التي ساعدت في تكوينها على الشكل الذي استقرت عليه بين الناس لا في التاريخ القويم . وإننا نجد في نفسنا جرأة تحملنا على التصريح أن المقامات ، وهي الغالبية العظمى ، التي اتخذت من التكدية اطارا لها ، أقرب إلى أن تندرج في باب « الأدب الشعبي » منها إلى ما يدعوه بعضهم « الأدب الخاص » أو « الرسمي » دون أن تكون هناك علاقة لهذه التسمية بالسلطة والحكام ، وإننا لنعتقد أن الأدب يكون شعبيا ، سواء في ذلك أكان مكتوبا بلغة عامية أو فصحى . ونحن لا نحمل في قرارتنا عقدة في فهم جوهر الأدب الشعبي ، أو النظر إليه ، وإنا لنضع له هذا التعريف المحيط فنقول : الأدب الشعبي جزء من التراث الشعبي الحافل ، وهو يعبر عما يضطرب في نفوس جماهير الشعب الواسعة من آمال وآلام وأشواق ومطامح . أما أداته فهي العامية أو الفصحى . ويستوي فيه الأدب الشفوي أو المنسوخ أو المطبوع ، المجهول المؤلف أو المعروف ، القديم أو الحديث . وهذا الأدب يتشعب إلى ثلاثة أقسام : أدب الفلاحين ، القصص الشعبية ، وأدب الفكرة الوطنية . ( 3 ) ونرى أن المقامات تدخل في قسم القصص الشعبية ، كحال قصص البطولة المأثورة عن العرب ، أو القصص الدينية المحكية عن الأنبياء والأولياء ، أو القصص الأسطورية في محتواها كألف ليلة وليلة الشهيرة . . وهذه القصص الشعبية على أنواعها لا نراعي فيها تقاليد القصة الاجتماعية الناضجة ، غير أن هناك في تضاعيفها دائما روح القص والاخبار كخامة يعوزها أحيانا الصقل ورعشة الفن المرهف . ومما يؤكد الاعتقاد المتقدم في أن المقامات قصص شعبية ، أنها « تصور أحاديث تلقى في جماعات » في معناها الاصطلاحي الذي أرساه بديع الزمان ( 4 ) وكان الهمذاني يخاطب أصحابه ، في آخر جلساته وإياهم ، بهذه المقامات ( 5 ) وهذا يعي أن بديع الزمان كان يفرغ من جعبته ، التي ملأها له ابن فارس والصاحب بن عباد لغة وأدبا ، ويفيض على حضار مجلسه ظرفا وأنسا ، ثم يختم الجلسة بمقامة ترفه عن السامعين ،
--> ( 1 ) مصطفى الشكعة : بديع الزمان الهمذاني ، رائد القصة العربية والمقالة الصحفية ، ص 284 و 285 . ( 2 ) مقامات الهمذاني ، ص 98 إلى 103 . ( 3 ) أحمد رشدي صالح : الأدب الشعبي ، ص 9 إلى 19 . ( 4 ) شوقي ضيف المقامة ، ص 8 - أنس المقدسي : تطور الأساليب النثرية في الأدب العربي ، ص 360 . ( 5 ) فيكتور الكك : بديعات الزمان ، ص 64 .