حسن الأمين

43

مستدركات أعيان الشيعة

لأنها تحتوي العنصر القصصي ، والإنسان ميال بطبيعته دائما إلى سماع القصص . وبما أن هذه المقامات كانت موجهة إلى طبقة من المثقفين والبلغاء في بداية أمرها ، فلا غرابة أن « تغلب عليها الصبغة البلاغية » ( 1 ) بيد أن روحها ظلت في الغالب شعبية تغترف من القاع الشعبي وتبرز جوانبه . إنها قصص شعبية على مستوى بليغ غير محنط . الهمذاني صانع أقصوصة : والواقع أن بديع الزمان ما إن يخرج عن القالب التقليدي القائم على الكدية ، الساري في معظم مقاماته ، حتى يتبدى رائع اللفتات ، عجيب التفنن . وإذا كان الهمذاني قد وفق في المقامة المضيرية إلى كتابة قصة ، فهو في « المقامة الحلوانية » صانع أقصوصة . ولنزيد الأمر وضوحا نطرح على المتلكئين بين لا ونعم التعريف المتعارف عليه لفن الأقصوصة فنقول : الأقصوصة تقوم على تصوير مشهد عابر ، أو إيراد موقف يتحلى بنكتة شفافة ، أو رسم سلوك قد يصدر عن إنسان في فترة ساخرة حرجة . فالأقصوصة هي لمسة قصصية فنية . أو تخرج مقامة بديع الزمان الحلوانية ( 2 ) عن حدود هذا الضرب القصصي ؟ عاد عيسى بن هشام من الحج ونزل حلوان العراق . ووجد نفسه بحاجة إلى حمام وحجامة ، فأوصى غلامه أن يبحث له عن حل لائق ، بحيث يكون الحمام مريحا والحجام ماهرا غير ثرثار . ومضى عيسى بن هشام إلى الحمام الذي اختاره الغلام وغشيه ، فتناوله رجل هناك ولطخ جبينه بقطعة من طين ثم خرج ، فجاء آخر فدلكه بعنف ، وكان « يصفر صفيرا يرش البزاق » ، ثم صب عليه الماء ، غير أن الأول عاود الدخول فضرب زميله بقبضته في عنقه قائلا له : « يا لكع ما لك ولهذا الرأس وهو لي » . فحيا الثاني زميله بتحية أطيب من تحيته وقال : « بل هذا الرأس حقي وملكي وفي يدي » . فدارت الملاكمة بينهما ، وقصدا بعدها صاحب الحمام ، وزعم كل منهما أنه صاحب الرأس ! « فقال الحمامي : ائتوني بصاحب الرأس أساله ألك هذا الرأس أم له ؟ « . فقاما إلى عيسى بن هشام وقاداه للشهادة . » فقال الحمامي : يا رجل لا تقل غير الصدق ، ولا تشهد بغير الحق ، وقل لي هذا الرأس لأيهما ؟ فقلت : يا عافاك الله هذا رأسي قد صحبني في الطريق ، وطاف معي بالبيت العتيق ، وما شككت أنه لي . فقال لي : اسكت يا فضولي « ، ثم أنب صاحب الحمام خادميه على هذه المنافسة حول هذا الرأس الحقير قائلا : « وهب أنا هذا الرأس لتيس ، وأن لم نر هذا التيس » . فما كان من عيسى بن هشام بعدها إلا أن وضع ثيابه عليه وانسل من الحمام ، وهو يلعن غلامه الذي منح نصيبه من الضرب المبرح . بيد أن صاحبنا لم يكتف بما ناله ، فبعث بغلام آخر يأتيه بحجام ، فجاءه برجل « مليح الحلية في صورة الدمية » . ولكن عيسى اكتشف من ثرثرته ولدى سؤاله الناس عنه ، أنه مختبط ذو جنة ، فينتهي الحال بعيسى بن هشام أنه يقسم بان لا يحلق مهما عاش ! فهذه أقصوصة ، بل أقصوصتان تنمان عن روح مرحة لا نستغرب صدورها عن شخص البديع الذي قال فيه صاحب « يتيمة الدهر » ( 3 ) إنه كان « خفيف الروح ، حسن العشرة ، ناصع الظرف » . وتنتهي الأقصوصة الأولى بخروج عيسى بن هشام من الحمام مهرولا لاعنا غلامه . وهي لمسة فكاهية لا ناجحة . وإذا قلنا الفكاهة لم نقصد بها تلك التي يلقاها القارئ في زاوية من جريدة ، أو على ظهر يوم من « روزنامه » ، والتي يراد بها مجرد الاضحاك في الغالب ، ففكاهة بديع الزمان التي عقدها حول رأس عيسى بن هشام هي فكاهة فنية ، قصد صاحبها إلى صياغتها فانزلها في حبكة حية ، ورمى إلى أن تحرك أعماقنا بمتعة هي وراء الحروف والجدار اللفظي للكلمات . فما الكلمة سوى واسطة ، وربما كانت اللغة جدثا لولا هذه الروح الإنسانية التي تبعث في المفردات قبسا منها ، فنختال أمام ناظرنا وتدب في عروقها الحياة الناشطة . خلاصة : وبعد ، فمقامات الهمذاني احتوت مواضيع شتى وأغراضا متنوعة ، فهو مبدع فن المقامة ، وأول من شرع لها النوافذ ومد لها السبل ، فكان البداية الفنية الابداعية والنهاية معا ، لأن الذين درجوا وراءه ، ابتداء من الحريري إلى ناصيف اليازجي ، إنما كانوا ينحتون ويتعملون ويزوقون ويكلفون أنفسهم ما لا يتقبله صاحب ذوق أو بعض ذوق . وقادنا البحث إلى الحكم بان المقامة المضيرية قصة صائبة ، والمقامة الحلوانية أقصوصة ظريفة ، والمقامات القائمة على الكدية قصص شعبية . « ولكن ليست كل مقامات البديع قصصا ، فقسم منها لا شيء ، والقسم الآخر شيء عظيم ، وحسب الرجل ما خلق . إنه لفنان بديع » . ( 4 ) أحمد بهمنيار الكرماني المتخلص بدهتان بن محمد علي ولد سنة 1301 في مدينة كرمان وتوفي سنة 1374 في طهران ونقل جثمانه إلى كربلاء فدفن فيها بوصية منه . كان ذا مهارة كبيرة في الحساب والهندسة والرياضيات والفلك والهيئة وعلوم المعقول والمنقول والنحو والصرف وله رسالة في ( العوامل ) على غرار رسالة العوامل لعبد القاهر الجرجاني . كان أبوه محمد علي شيخيا ومريدا لزعيمهم في كرمان ( حاج محمد كريم خان ) ومدرسا ومعلما في مدارسهم بكرمان . تلقى أحمد العلم عند أبيه وأخيه وعند ما كان عمره 16 سنة بدأ يعلم الطلاب ويدرسهم الدروس التي تلقاها عن أبيه وأخيه ، وعند ما توفي والده عام 1319 حل محله في المدرسة ، وبرغم أنه كان معلما ولكنه سعى بجد ونشاط في التعليم والتعلم ودرس العلوم العربية والفقه والأصول والأدبين الفارسي والعربي ، كما تعلم اللغات الإنكليزية والتركية العثمانية ، وكان ينظم الشعر ويتخلص فيه باسم ( دهتان : الفلاح ) . كانت له أفكار ثورية وتحررية ودافع في مقالاته في الصحف والمجلات عن ثورة الدستور ( المشروطة ) وأسس عام 1329 مجلة باسم ( دهتان ) في مدينة كرمان خصصها للدفاع عن ثورة المشروطة ونشر

--> ( 1 ) آدم متز : الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ، ج 1 ص 442 . ( 2 ) مقامات الهمذاني ، ص 171 إلى 175 . ( 3 ) أبو منصور الثعالبي : ج 4 ص 257 . ( 4 ) مارون عبود : بديع الزمان الهمذاني ، ص 37 .