حسن الأمين

41

مستدركات أعيان الشيعة

تسلكه . فتصل حاضرها بماضيها ، غير أن الانقلاب السريع غشي الدولة الإسلامية العربية فقضى على سلطتها السياسية وتركها بددا ، وشل نشاطها الحضاري ورماها في انحطاط طويل ، بحيث إن العرب عندما استفاقوا من جديد وعادوا إلى ركب الحياة ، كانت سنن التطور قد غلبتهم وتخطتهم ، وكان على الأدباء العرب أن يعالجوا القصة غير معتمدين على تراثهم الماضي ، وإنما كان عليهم ، كما تقضي بذلك قوانين التطور والحياة ، أن يلتفتوا شطر الأدب الغربي ، أي الآداب الفرنسية والإنجليزية والروسية بشكل خاص ، وأن يقبسوا عنها المراحل التي فاتتهم ، ليعوضوا ما ولى ويرتقوا إلى حال الأدب في ما وصل إليه من تبلور عند الغربيين . وهذا التطور للقصة في الأدب العربي الحديث لم يحدث فجاة ، بل تطلب مراحل من النماء والنضوج ، وهذه المراحل لم تكن منبعثة من ذات الأدب العربي ، وإنما خضعت لتاثيرات الأدب الغربي . ولا يفوتنا التنويه في هذا المقام أن أديبا كمحمد المويلحي قد كتب المقامات في « حديث عيسى بن هشام » ، كما أن حافظ إبراهيم عالج هذا الفن في « ليالي سطيح » ، وجرى في سبيلهما آخرون . بيد أن هذين الأديبين ، إن كانا تلقحا بأسلوب المقامات واغترفا من هذا التراث ، فلقد وقفا عند حد الشكل دون المحتوى . فالأسلوب في عهدهما لم يكن قد تطور بشكل واف بحيث يتحرر من ربقة السجع وينطلق من قواقعه ، ويرمي بهذه الرجل الخشبية ، على حد تعبير أحمد فارس الشدياق . وهذا أمر مفهوم ، لأن الشكل عادة يتسم بأنه « محافظ » ، فقد يتبدل المحتوى ويظل لابسا للشكل القديم ، ذلك أن المحتوى هو أكثر تبدلا من الشكل ، وأن التطور أول ما يطرأ على المحتوى ، ولا نعني بهذا الكلام أن الشكل خالد لا يحور ولا يزول ، وإنما ليس من الالزامي دائما أن يكون لكل محتوى جديد شكل جديد توا ، وعلى نحو تلقائي مباشر ، إنما في مرحلة تالية ومتقدمة يدخل المحتوى الجديد المتطور في عراك وخصام ونزاع مع الشكل القديم المتخلف نسبيا ، فيتعرى منه ويتزيا بشكل جديد نسبيا . ولا حاجة بنا إلى التأكيد أن الشكل والمحتوى لا ينفصم أحدهما عن الآخر ، وأن هذا التطور عند كل منهما لا يتم بمعزل عن الآخر بل باتصال وثيق به . نتابع ما انقطع من أفكارنا فنقول إن المويلحي وحافظ قد التزما أسلوب المقامات من غير افتعال مقيت للسجع ، أي بخلاف ناصيف اليازجي مثلا في « مجمع البحرين » . فاليازجي مكمل ومتابع أمين لتقاليد الحريري البالية ، شكلا ومحتوى ، لكونه لغويا متفقها أكثر منه أديبا مبدعا ، في حين أن المويلحي وحافظ لينا السجع ومضيا به في دروب أنارها لهما الأدب الغربي . ومن الأمور ذات الدلالة أن حافظ إبراهيم هو معرب رواية « البؤساء » لفكتور هوغو ، ولقد ترجمها بأسلوب مسجع ، أي أنه استعان بشكل قديم لتعريب محتوى جديد ، وقد ترجمت هذه الرواية إلى لغتنا عدة مرات في ما بعد بأسلوب جديد لا يعرف معنى للسجع وملحقاته ! وهكذا تنتهي بنا هذه الاستطرادات الموضوعية إلى أنه من الضلال أن نلزم المقامات الهمذانية بان تستوفي شروط القصة العصرية الناضجة ، فالمرحلة التي كتبت فيها المقامات كانت مرحلة أولية في تطور القصة عند العرب ، والقصة الاجتماعية بنوع خاص ، لأنها مدار الخلق الصحيح والإبداع الحق ، ثم انقطع الطريق بهذه المرحلة الأولية ، كما أسلفنا ، وعرف الأدب العربي القصة في عهد النهضة على يد الأدب الغربي واستنار باقباسه ، لذا قلنا : « إن المقامة المضيرية قصة موفقة ، سواء درى بديع الزمان بما كان يصنع أم لا ! » وذلك أن الهمذاني لم يكن ليعي فن القصة وعينا له اليوم ، وإنما كان ، كما نعتقد ، ذا روح قصصية ، أو على الأصح كان محدثا لبقا ماهرا ألمعيا ، يرتجل من الكلام عجبا . وإذا كان بديع الزمان قد تأثر في موضوعات مقاماته بشعراء الكدية الذين كانوا على جانب كبير من الظرف والطرافة ، أمثال : ابن الحجاج ، وابن سكرة ، والأحنف العكبري ، وأبي دلف الخزرجي وغيرهم ، فهو في مقامته المضيرية يقتفي خطى الجاحظ كما نلاحظ . إن مقامته هذه ، بما اشتملت عليه من مضمون اجتماعي ، تذكرنا من حيث الجوهر والاتجاه بقصة الكندي الواردة في « البخلاء » ، والتي تصور النزاع القديم الجديد بين المالك والمستأجر . تبقى نقطة أخيرة ينبغي بحثها ، لئلا يعتقد القارئ أننا وقعنا في شيء من التناقض دون علم منا . فقد قلنا إن المقامة المضيرية قصة ناجحة بعد إخضاعها لعملية تحليلية ، راعينا فيها قواعد القصة العصرية وأصولها : من تقييم للحادثة ، وإبراز للشخصية ، وإيضاح لعملية البناء في تدرجها ، ثم التأكيد على عنصري الزمان والمكان اللذين يعطيان للقصة هويتها الاجتماعية ، وقلنا أيضا : « إنه من الضلال أن نلزم المقامات الهمذانية بان تستوفي شروط القصة العصرية الناضجة » . فكيف نوفق بين القولين ، وهل هناك من خلل واضطراب بين الرأيين ؟ الواقع أنه لم يقع اختيارنا على المقامة المضيرية اعتباطا ، بل هي تنفرد تقريبا عن سائر المقامات وتخرج عن الإطار التقليدي الذي صيغت بواسطته المقامات على العموم ومداره الكدية والمكدون وأساليبهم وحيلهم . إن المقامة المضيرية ، في عرفنا ، « لقية » فريدة في أدب بديع الزمان الهمذاني ، شأنها في ذلك شان قصة الكي ندي في « البخلاء » ، أو قصة الذبابة الخبيثة مع عين قاضي البصرة الزميت عبد الله بن سوار وهي من درر « الحيوان » عند أبي عثمان الجاحظ . فهذه النماذج الجميلة نجمت في المرحلة الأولية [ التجريبية ] التجربية للقصة في الأدب العربي ، كما أبنا ، وهي ، على ما أصابته من توفيق عز نظيره في تلك الفترة من أدبنا ، تعتبر في مرتبة ثانية بالقياس إلى القصة المتطورة ، لأن جل اعتمادها على الحوادث ، فهي « قصة حادثة » محورها الحركة العضوية ، كما أسلفنا ، في حين أن القصة المتطورة تحفل بالحركة الداخلية والتحليل النفسي . آراء جاهزة : إذا فالمقامة المضيرية « لقية » لدى بديع الزمان ، « ولو وفق البديع في جميع مقاماته توفيقه فيها ، لبلغ في هذه الصنعة غاية الغايات » . ( 1 ) ومن شان اللقية أن تخرج على المألوف ، وتشذ عن العام وتتخطى المتعارف عليه مرحليا ، لتطرح نموذجا أرقى يدفع عجلة الأدب قدما ، وإنه لمن الإجحاف واصطناع الأمور وتحميلها فوق طاقتها ومرحلتها أن

--> ( 1 ) بطرس البستاني : أدباء العرب في الأعصر العباسية ، ص 389 .