حسن الأمين

36

مستدركات أعيان الشيعة

وصرف همته إلى تجنيد الجنود وتحشيد الحشود ، فألف جيشا كبيرا كان يخرج منه في احتفال العيد حسب « مائة وخمسون ألف جندي » ، وأمر السلطان تكش الملقب بخوارزمشاه بان يزحف إلى السلطان السلجوقي « طغرل الثالث » ويزيل سلطنته ، فزحف اليه سنة « 590 » وقتله وحمل رأسه إلى بغداد . ووسع أطراف مملكته ، واحتل خوزستان وأصفهان والري وهمذان ، وجهز جيشه لارساله إلى بلاد الشام للتعاون مع صلاح الدين لطرد الصليبيين من بقية بلاد الشام ولكن صلاح الدين رفض ذلك وسالم الصليبيين واتفق معهم على محاربة جيش الناصر إذا تقدم إلى بلاد الشام مؤثرا مصالحه الشخصية على مصالح الأمة ، لأنه اعتقد أنه إذا جاء جيش الناصر وانتصر على الصليبيين فسيكون الحكم للناصر ويكون هو تابعا له . وجدد نظام الفتوة في العالمين العربي والإسلامي وأدخل أغلب السلاطين والملوك والأمراء فضلا عن الرعايا فيها ، وكان هو رئيس الفتوة في جميع البلاد ، ونشا للبلاد الإسلامية جيلا قويا شجاعا يجمع بين الديانة والصيانة والمتانة . ووضع جهازا ومؤسسة للاستخبارات في داخل العراق وخارجة ، واستعمل أنواع حمام الزاجل لنقل الأخبار . حتى كان لا تخفى عليه خافية في الداخل والخارج ، ولا يغبى عليه سر من أسرار الدول ، بحيث ظن الناس أن الجن كانت تنقل اليه الأخبار ، كما ذكر شمس الدين الذهبي في تاريخه ، وتدل أنباء استخباراته على أن الدول العصرية التي افتنت أعظم افتنان في التجسس لم تبلغ ما بلغه هو في الاطلاع على أخفى الأمور وأكتم الشؤون في أدنى الأرض وأقصاها . وعنى بنشر الثقافة والعلم وأنشأ لوالدته مدرسة ورباطا للصوفية بجانب تربتها المعروفة اليوم بقبر الست زبيدة في مقبرة معروف الكرخي بالجانب الغربي من بغداد ، ووضع ألوف الكتب في المدرسة النظامية وفي قصره الذي ذكره ابن جبير المعروف قديما بدار المسناة وحديثا بالقصر العباسي ، وفي رباط المأمونية المنسوب إلى والدته . وألف كتابا في الحديث النبوي سماه « روح العارفين » رواه عن شيوخه الثقات الإثبات وأجاز للعلماء المشهورين روايته في مشارق الأرض ومغاربها وشرحه جماعة من المشتغلين بالحديث . وجدد نظام الرمي في مذهب الفتوة ، ووضع له القواعد والأحكام وأوضح أصناف الطيور التي تصطادها الرماة الفتيان وهي المسماة تارة طيور الواجب وتارة « الطير الجليل » . وقد جدد الناصر شباب الأمة الإسلامية بتجديد الفتوة . وعاصرت خلافته الطويلة الأمد ظهور جنكيز خان ملك المغول السفاح المجتاح ، فكان على البعد يخشى من الخليفة الناصر ، ويطبع اسمه على نقوده حتى تروج بين العالمين ، ولما خرج عليه قطب الدين محمد بن تكش الملقب بخوارزمشاه ، وحرك المغول على العالم الإسلامي بسوء سياسته وكثرة عدوانه ، وسمع الناصر بتقدم المغول إلى الغرب استكثر من الجنود ، وجدد المواضع الضعيفة من سور بغداد ، ولا سيما باب سورها الشرقي المعروف بباب الحلبة ، وقد عرف بين الناس بباب الطلسم ، لوجود صورة رجل مسيطر على ثعبانين في جانبيه وكانت عمارة هذا الباب سنة 618 هوكان هذا الباب من أجمل المباني التحصينية ، وقد نسفه الأتراك العثمانيون بالبارود الذي كان مخزونا فيه ليلة احتلال الإنكليز لبغداد في اليوم الحادي عشر من آذار سنة 1917 م . توفي الناصر لدين الله ، سنة 622 وقد دامت خلافته « 47 » سنة وهي أطول خلافة لبني العباس ، وترك من المآثر والآثار ما لا يحصى كثرة ، ولا يستقصي وفرة ، ولولا نزق سلطان خوارزم لنجا العالم الإسلامي من طوفان المغول وطغيانهم ومجازرهم البشرية وعدوانهم وعيثهم وإفسادهم إلا أن ذلك السلطان الأحمق جنى بخروجه على خليفة المسلمين على نفسه ومملكته والعالم الإسلامي . قال جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء وقال قبله ابن نباته في كتابه الاكتفاء بتاريخ الخلفاء نقلا عن تاريخ محب الدين محمد المعروف بابن النجار وكان معاصرا للناصر لدين الله « دانت له السلاطين ، ودخل في طاعته من كان من المخلفين وذلت العتاة والطغاة ، وانقهرت بسيفه الجبابرة والبغاة ، واندحض أعداؤه وأضداؤه ، وكثر أنصاره وأولياؤه ، وفتح البلاد العديدة ، وملك من الممالك ما لم يملكه من بعده من الخلفاء والملوك ، وخطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصين ، وكان أسد بني العباس ، تتصدع لهيبته الجبال ، وتذل لسطوته الأقيال ، وكان حسن الخلق ، لطيف الخلق . كامل الظرف ، فصيح اللسان ، له التوقيعات المسددة ، والكلمات . المؤيدة ، وكانت أيامه غرة في وجه الدهر ، ودرة في تاريخ الفخر » . وقد ذكرت آنفا قول ظهير الدين الكازروني في مختصر التاريخ « انه عمر المساجد ، وجدد المشاهد » وقال بعد ذلك : « وبنى الأربطة والمدارس وأثر الآثار الجميلة . . ثم إنه جدد عزيمته في قطع سلاطين السلجوقية وغيرهم عن بغداد ، ومحا آثارهم وملك خوزستان بجيوشه التي أنفذها إليها ، وملك بلد دقوقا وقلعة تكريت وقلعة الحديثة ، وله من الفتوح شيء كثير كولاية همذان وغيرها ، وقتل طغرلبك السلجوقي وحمل رأسه إلى بغداد . . ثم إنه عمر دار المضيف للصادر والوارد من الحاج وغيرهم للفطور في شهر رمضان ووقف الكتب المفيدة الفقهية ، وغيرها في خزائن الكتب ، وجعلها لمن عساه يشتغل بالعلم ، وأنشأ الرباط الذي بمشرعة الكرخ والتربة المجاورة له ،