حسن الأمين

37

مستدركات أعيان الشيعة

ودفن فيه جهته ( 1 ) الجهة عندهم أيامئذ كناية عن الزوجة المحترمة ولم نقل « الزوج » خشية الالتباس . السعيدة سلجوقي خاتون ابنة قلج أرسلان ملك الروم وكانت صالحة محبة لأفعال البر والقرب - رحمها الله - « . أحمد بن الحسين الهمذاني الملقب بديع الزمان الهمذاني : مرت ترجمته في المجلد الثاني من ( الأعيان ) . وننشر هنا دراسة عن القصة في مقاماته مكتوبة بقلم الدكتور أحمد علبي : ما إن تذكر المقامات أمام أحدهم إلا ويلوي رقبته مستخفا ، برما بهذه المقابر اللفظية ! وقد يكون لهذا التبرم ما يسوغه إذا اختص الأمر بالحريري ، أو غيره من الذين تعاطوا هذا الفن الأدبي ، ودرجوا فيه متأثرين خطى هذا الرائد الثاني للمقامات ، وهو الذي أشاع ذكرها ، ولكنه أرسلها في الناس فتاة متبرجة تنوء بالحلي والعقود ، فيغريك البريق وتأخذك المساحيق دون الجوهر والفحوى . غير أن بديع الزمان الهمذاني ( 358 - 398 ه‍ ) يعتبر مؤسس المقامة والمشرف على ميلادها ، وذا اليد الطولي في إرساء قواعدها وإخراجها ، هذا الأديب أعمل قلمه فاتى عجبا ، وتفرد عن سائر كتاب المقامات القدامى بصفات أصيلة تشير إلى أن صاحبها علم مطوي وحق له أن يخفق . « فمقامات الهمذاني تسجل ، في الواقع ، حدثا في تاريخ الأدب العربي . فهي تقرر وجود نوع جديد . . . ( 1 ) وأن مفجر هذا » الحديث « حري بكل عناية وتقدير ، وأن كرور الأيام يزيدنا تبصرا بمكانة صاحب المقامة الأول ، بحيث أن الدراسات الموقوفة على شخصه أخذت تقحم الظلام وتبدي » البديع « في وضح النور وهو صنوه . ولا يعنينا في هذا المبحث أن نعرض لبديع الزمان ككل ، وأن نلم بجوانب من قرن بديعه بالزمان ، وإنما بغيتنا أن نتناول موضوعا من وحيه ، فنقلب فيه وجوه الكلام ، عسى أن نهتدي بذلك إلى محصل ننصف به الرجل ، دون أن نعتسف في أحكامنا ، أو تحملنا عاطفة الاعجاب على الشطط ، ولنا في النهج العلمي ، الذي نعول عليه ، خير معوان لتجنب الزلل . وبعد المسألة هي : هل المقامة عند بديع الزمان تعتبر قصة ؟ أو بشكل آخر : هل من علائق بين القصة والمقامة ؟ هذا السؤال ليس بجديد على الآذان ، وسبق لعدد من الباحثين أن خاضوا فيه ، إلا أن أحكامهم في معظمها كانت هامشية مطلقة لأنها ، على ما يظهر منها ، لا تستند إلى معرفة تقنية بفن القصة . المقامة المضيرية : إن « المقامة المضيرية » ( 2 ) تحل في المراتب الأولى بين مقامات الهمذاني ، فلقد وفق فيها بديع الزمان أيما توفيق . ويهمنا الآن أن نوجز القول في موضوعها ، ومن ثم نرى في ما إذا كانت قصة ، أو تمت إلى القصة بعلائق متينة . يروي عيسى بن هشام كيف أنه لبى ، برفقة أبي الفتح الإسكندري ، دعوة بعض التجار ، وذلك في البصرة . وقدمت للضيوف أكلة العصر ، المضيرة ( 3 ) ، في قصعة براقة . فما إن حلت هذه الأكلة على الخوان حتى انبرى لها أبو الفتح الإسكندري باللعن والشتم ، ثم برح المائدة مغضبا . عندها رفعت المضيرة ، فودعتها العيون والأكباد وهي أسيفة حرقى . وأقبل الصحاب ، بعد هجرها القسري ، على أبي الفتح يستفسرونه الأمر ، « فقال : قصتي معها أطول من مصيبتي فيها . ولو حدثتكم بها لم آمن المقت وإضاعة الوقت . قلنا : هات » . ويشرع أبو الفتح يحدث كيف أن تاجرا بغداديا دعاه لتناول المضيرة وألحف في دعوته ، ونزل أبو الفتح عند رجائه ومضى معه إلى منزله . وأخذ التاجر يقطع الطريق بالحديث عن زوجته وما تتحلى به من رائق الشمائل ، فهي طباخة نفاخة ، ولم يفته القول أنها ملساء الخد جميلة ، وهي ابنة عمه لحا وموطن عشقه ، كما أنه موطن عشقها ، فسبحان مدبر الأمور وجامع القلوب . وانتهى بهما الحديث عن زوجه وخليلته إلى المحلة التي يقطن فيها ، فما كان من التاجر إلا أن قرظ محلته ، فهي مسكن التجار ، ويقع داره في الوسط من هذا الحي المختار . ولا تسل كم أنفق من المال على كل دار منه ؟ تقول كثيرا ! سامحك الله فهو وحده يعلم مبلغ ذلك . ويتابع أبو الفتح الإسكندري الحديث فيبلغنا أنهما وصلا إلى باب دار التاجر ، فاخذ هذا يطري ما يقع عليه بصره ، فالطاقة دقيقة الصنع ، اعلم أن الباب « هو ساج من قطعة واحدة ، لا ماروض ولا عفن » . وقد صنعه رجل بصير بصنعه ، وحلي بحلقة اشتراها تاجرنا - أعزه الله - من « أنتيكخانة » بغداد . غير أن الله سلم وقرع بعدها التاجر الباب ودلفا إلى الدهليز . وبعد الأدعية بسلامة الدار والتغني بمعارجها ، أخبر المضيف أبا الفتح كيف أن هذه الدار كانت لجاره أبي سليمان ، فورثه من طفق يبدد أمواله الكثيرة . فاحتال تاجرنا على هذا الوريث ، بان أغرقه في الديون ، إلى أن وضع يده على الدار ، وهو - على حد قوله - « بحمد الله مجدود ، في مثل هذه الأحوال محمود » . وبما أنه عرض للحيلة والاحتيال ، فليزود أبا الفتح بفيض من ملف « مكارمه » . فقد طرقت بابه منذ ليال امرأة تعرض عليه عقد لآل ، فابتاعه بالثمن البخس ، وسينفق - بعون الله - بربح وافر . وهناك الحصير الذي يعز وجود مثيله ، فإذا به يشتريه وقد عرض في الأسواق بعد نكبة أحد آل الفرات من وزراء العراق . بعد هذه الافتتاحية والتمهيد المسهب ، يصل بنا أبو الفتح الإسكندري إلى القول أنه قد حانت الظهيرة ، وأن التاجر نادى غلامه لياتي بالطست والماء . فظن أبو الفتح أنه بالغ أخيرا المضيرة ، وأن الفرج آت بعد الشدة . ولكن ما إن تقدم الغلام حتى أدار التاجر الحديث عليه وكيف اشتراه . ثم جاء هذا الغلام بالطست ، فتناوله التاجر وقلبه

--> ( 1 ) . 5 . R . Blachereetp . Masnou : Al - HamadaniMaqamat . IntroductionP ( 2 ) مقامات الهمذاني ، ص 104 إلى 117 ( 3 ) ظن الشيخ محمد عبده ، شارح مقامات البديع ، أن المضيرة ربما توازيها « لبنية » بلاد الشام ، وهي التي تدعى عند أهل بيروت « فقاعية » . ولكن الحقيقة ، التي ترضي البطون ، هي أنها توازي بالفعل ما يسمى في سورية « شاكريه » ، أو ما نطلق عليه في لبنان « لبن أمه » أو « مربى اللبن » . والمضيرة : نوع من الطعام مؤلف من لبن ولحم .