حسن الأمين
25
مستدركات أعيان الشيعة
والمقريزي حين يتحدث عنه في خططه يقر هذه الحقيقة فيقول في ذلك : « فاستناب ولده شاهنشاه وجعله ولي عهده ، والصفحة 382 من طبعة مكتبة الثقافة الدينية ، بدون تاريخ ) . ولنلاحظ تلقيبه باللقب الملكي شاهنشاه . ثم يواصل المقريزي الحديث عنه قائلا : « وقد تحكم في مصر تحكم الملوك ولم يبق للمستنصر معه أمر واستبد بالأمور » . ويقول : « وهو أول وزراء السيوف الذين حجروا على الخلفاء بمصر » . ويقول عن انهاء سلطة المستنصر والخلافة الفاطمية وقيام السلطة الجديدة سلطة بدر الجمالي : وكان من قدوم أمير الجيوش بدر الجمالي في سنة ست وستين وأربعمائة وقيامه بسلطنة مصر ما ذكر في ترجمته عند ذكر أبواب القاهرة ، فلم يزل المستنصر مدة أمير الجيوش ملجما عن التصرف إلى أن مات سنة سبع وثمانين . ثم يقول عن الأفضل بن بدر الجمالي : فلما مات المستنصر أقام الأفضل ابن أمير الجيوش في الخلافة من بعده ابنه المستعلي بالله أبا القاسم احمد ( الصفحة 356 من الجزء الأول ولم يذكر تاريخ الطبع ، نشر مكتبة الثقافة الدينية ) . وهكذا نرى ان الأفضل بن بدر الجمالي هو الذي اختار الخليفة واقامه مقام أبيه لأنه هو الحاكم المسيطر . وإذا كان بدر وابنه الأفضل لم يعلنا إلغاء الخلافة نظريا في حين انهما الغياها عمليا ، فلأنهما كانا يريدان غطاء شرعيا لحكمهما يبرران به تسلطهما ، وكان وجود الخليفة الشكلي هو الغطاء المطلوب . ثم يقول المقريزي : ولم يكن للمستعلي مع الأفضل امر ولا نهي ولا نفوذ كلمة . ( الصفحة 357 من الجزء نفسه ) . وفي عهد المستعلي هذا الذي لم يكن له امر ولا نهي ولا نفوذ كلمة تقدم الصليبيون إلى البلاد الإسلامية واحتلوا القدس . وكان صاحب الأمر والنهي ونفوذ الكلمة هو الأفضل ، إذن فلما ذا تنسب أحداث تلك الفترة إلى الفاطميين وخلافتهم ؟ انها يجب ان تنسب إلى أصحاب الأمر والنهي ونفوذ الكلمة ، وهم غير الفاطميين . لا نقول هذا لأننا نرى في تصرف الأفضل تقصيرا وضعفا ، أو شيئا مما يؤاخذ عليه في موقفه من الصليبيين . بل على العكس من ذلك نرى انه قام بكل ما يستطيع القيام به في دفع الصليبيين عن الوطن الإسلامي . ووقف في وجههم بحزم وصلابة . فحاول أول الأمر دفعهم سلما ، بالمفاوضات كما نقول اليوم ، ولما لم ينجح في ذلك قاتلتهم جيوشه أشد قتال وظلت تقاتل دفاعا عن القدس سبعة أسابيع . وإذا كان الصليبيون قد تغلبوا عليها فقد تغلبوا على غيرها ممن هم أقوى منها . هل قصر الأفضل بن بدر الجمالي ؟ ومع ذلك اننا نتساءل هل فرط الأفضل بن بدر الجمالي حاكم مصر الفعلي في أمر مقاومة الصليبيين ؟ إننا نقول : لا ، لم يفرط ، بل كان موقفه موقف المتفاني في مقاومتهم ، بالوسائل السلمية أولا ، هذه الوسائل التي رأى فيها محاولة يائسة لا يقاف زحفهم ، ومع ذلك أقدم عليها ، فلما لم تنجح ساق الجيوش لقتالهم ، وإذا كانوا استطاعوا التغلب على جيوشه ، فقد تغلبوا من قبل على جيوش غيره من المسلمين . فلما ذا الحديث عن الفاطميين وحدهم وعن الأفضل بن بدر الجمالي وحده ؟ أما الوسائل السلمية التي حاولها بدر الجمالي بعد سقوط أنطاكية وانهزام كربوقا السلجوقي وقواده بدون قتال - كما سيأتي - وظهور الخطر الصليبي على أقوى صوره ، وتهديد هذا الخطر للقدس وما في الطريق إليها من بلاد ، اما هذه الوسائل فقد أوضحها الدكتور محمد جمال الدين سرور في كتابه ( النفوذ الفاطمي في بلاد الشام والعراق ، الصفحة 67 ) . قال الدكتور سرور : « لما وصل إلى الحكومة الفاطمية في مصر نبا هجوم الصليبيين على أنطاكية رأت ان تبذل جهدها لمنع زحفهم على بيت المقدس ، فأنفذ الوزير الأفضل بن بدر الجمالي سنة 492 ه ( 1098 م ) سفارة إلى الصليبيين للتفاوض في عقد اتفاق معهم يتضمن أن يتفردوا بأنطاكية وأن تستقل مصر ببيت المقدس على أن يسمح للصليبيين بزيارة الأماكن المقدسة بفلسطين وتكون لهم الحرية في أداء شعائرهم الدينية على أن لا تزيد مدة إقامتهم بها عن شهر واحد ، والا يدخلوها بسيوفهم . ( انتهى ) . ومن هذا يتبين ان الأفضل بن بدر الجمالي لما رأى سقوط أنطاكية وانهزام قوى كربوقا أيقن أنه لم يبق في طريق الصليبيين قوى اسلامية تستطيع التغلب عليهم والحئول بينهم وبين الوصول إلى القدس ، فحاول أن يقنعهم بالوقوف عند أنطاكية على أن تكون لهم حرية زيارة القدس أفرادا غير مسلحين وان يغادرها من يزورها منهم في مدة أقصاها شهر . وأحسب ان هذا أقصى ما كان يستطيع ان يفعله الأفضل من أجل القدس يوم ذاك ، فأين هو موضع التجريح بهذا الرجل ؟ ولما فشلت محاولته السلمية لايقاف الصليبيين عند أنطاكية استعد لحربهم ، مع علمه بقوتهم وضعف قوته امام حشودهم اللجبة ، فقام واليه على القدس بتسميم الآبار وطم القنوات لئلا يستفيدوا من مائها ، وأخرج النصارى من المدينة وعهد بحراسة الأسواق إلى جماعة من العرب والسودان . ويقول الدكتور حسن حبشي في كتابه ( الحروب الصليبية ) فيما يقول عن جيش الأفضل بن بدر الجمالي المدافع عن القدس : « وأدرك الصليبيون انهم واجهوا هذه المرة خصما يرى أن في ضياع بيت المقدس ضياعا لهيبته السياسية وانتهاكا لحرماته الدينية » . ثم يصف الدفاع البطولي عن القدس قائلا : « شرع الصليبيون في الهجوم مساء الأربعاء 13 يوليو 1099 م ( 492 ه ) . ووجدوا من الحاميات الإسلامية الفاطمية دفاعا قويا رغم ما استعدوا به من آلات الحصار والأبراج المتحركة ، وأخذت حامية المدينة ترميهم بالنار الإغريقية » . واستمرت المعارك على هذا المنوال العنيف سبعة أسابيع من 7 يونيو [ ] 1099 إلى 15 يوليو 1099 م . وبعد سقوط القدس واصل الأفضل قتالهم ، وقاد حملة لاسترداد القدس في رمضان سنة 492 ه ( آب 1099 م ) وصل بها إلى عسقلان ، فلما بلغت أخبارها إلى ( جود فروي ) في القدس أرسل على عجل رسولا