حسن الأمين
26
مستدركات أعيان الشيعة
إلى تنكريد الذي كان في نابلس يستدعيه هو والقوات التي معه للمشاركة في دفع الخطر الداهم ، كما استدعى بقية الأمراء الذين ساهموا في فتح بيت المقدس يطلب إليهم الانضمام اليه للدفاع عن القبر المقدس هذه المرة ، ولم يتخلف منهم أحد ، على الرغم مما كان قائما بينهم من خلاف يوم ذاك . وهكذا وحد الخطر ( الفاطمي ) - إذا أردنا ان نأخذ بتسمية المؤرخين - بين جميع القوى الصليبية فتحشدت بأقصى ما تستطيع من تحشد ، ففشلت معركة استرداد القدس في تفاصيل ليس هنا مكان الخوض فيها . لم يستسلم بدر الجمالي بعد سقوط القدس للأمر الواقع - كما رأينا - بل ظل يقاتل الصليبين ما وسعه القتال . يقول المقريزي في خططه وهو يتحدث عن الأفضل : « وفي سنة اثنتين وتسعين [ ] 492 ملك الفرنج الرملة وبيت المقدس فخرج الأفضل بالعساكر وسار إلى عسقلان ، فسار اليه الفرنج فقاتلوه وقتلوا كثيرا من أصحابه وغنموا منه شيئا كثيرا وحصروه فنجا بنفسه في البحر وسار إلى القاهرة » . ويقول المقريزي أيضا : وفي سنة اربع وتسعين [ ] 494 خرج عسكر مصر لقتال الفرنج وكانت بينهما حروب كثيرة ويقول ابن الأثير ( ج 10 ص 394 طبعة 1966 : سير الأفضل ولده شرف المعالي في السنة الحالية إلى الإفرنج فقهرهم وأخذ الرملة منهم . ويقول المقريزي في خططه ( ص 443 ج 1 ) : وكوتب الأفضل ابن أمير الجيوش من عسقلان باجتماع الفرنج فاهتم للتوجه إليهم ، فلم يبق ممكنا من مال وسلاح وخيل ورجال واستناب أخاه المظفر أبا محمد جعفر ابن أمير الجيوش بين يدي الخليفة مكانه وقصد استنقاذ الساحل من يد الفرنج فوصل إلى عسقلان وزحف عليها بذلك العسكر ( ولكن الحملة لم تنجح ) . وقال المقريزي أيضا : ( ص 480 ج 1 ) : وذكر تجهيز العساكر في [ البرعز ] البرغر ورود كتب صاحبي دمشق وحلب في سنة سبع عشرة وخمسمائة ما يحث على غزو الفرنج وصيرها مع حسام الملك وركب الخليفة الآمر باحكام الله وتوجه إلى الجامع بالمقس وجلس بالنظرة في أعلاه واستدعى مقدم الأسطول الثاني وخلع عليه وانحدرت الأساطيل مشحونة بالرجال والعدد والآلات والأسلحة . وهذا ما يدل على أن الأفضل لم يهدأ ، ولم يترك الصليبيين يهدؤن بل ظل يغير عليهم ويقاتلهم فكانت بينه وبينهم حروب كثيرة ، على حد تعبير المقريزي . وإذا كانت القوى الصليبية المتدفقة من أوروبا هي اكثف وأقوى مما استطاع الأفضل حشده ، وإذا كان لقوى الصليبيين امداد دائم من الخارج ، وليس للأفضل اي امداد من العالم الإسلامي الواسع ، فذلك ليس ذنب الأفضل بن بدر الجمالي . وبالرغم من أن من جاؤوا بعد الفاطميين طمسوا كل ما يستطيعون طمسه من ماثر تلك العهود وما قيل فيها من الشعر والنثر فقد أمكن ان يصل إلينا بعض ما خلده الشعراء من ماثر الأفضل بن بدر الجمالي في جهاده للصليبيين فمن ذلك قصيدة للشاعر أمية بن أبي الصلت يشير فيها إلى انصراف البلاد الإسلامية الأخرى عن مواجهة الخطر الصليبي ، واقتصار تلك المواجهة على الأفضل وجيشه . وفيها يقول مخاطبا الأفضل : جردت للدين والأسياف مغمدة سيفا تفل به الأحداث والغير ثم يشير إلى فشل حملة استعادة القدس : وإن هم نكصوا يوما فلا عجب قد يكهم السيف وهو الصارم الذكر العود أحمد والأيام ضامنة عقبى النجاح ووعد الله ينتظر وربما ساءت الأقدار ثم جرت بما يسرك ساعات لها أخر ( 1 ) من هو بدر الجمالي ؟ هو مملوك ارمني الأصل ، وإذا كانت قد قامت للمماليك بعد ذلك دولة في مصر تطاول بها الزمن ، فيمكن اعتبار دولة هذا المملوك أول دولة مملوكية تقوم في مصر . والمماليك الذين حكموا بعد ذلك هم من أصول مختلفة تعود إلى جذور غير اسلامية ، وشان هذا المملوك شان غيره ممن حكموا بعده في مصر وغير مصر ( 2 ) فإذا كان فيهم من أبناء القرم والقفجاق والروم والروس وبعض المناطق الأوروبية الأخرى ممن ولدوا غير مسلمين ثم أسلموا ، فهو مثلهم ( 3 ) ولم يكن بدر هذا المملوك الوحيد من أصل ارمني
--> ( 1 ) مما يذكر في مناقب ( الأفضل ) ما ذكره ابن ميسر في ( أخبار مصر ص 57 من أنه وجد في ثروة الأفضل بن بدر الجمالي خمسمائة ألف مجلد من الكتب . ( 2 ) إذا كان المعروف ان دولة المماليك في مصر تبدأ في نظر المؤرخين بتولي عز الدين أيبك عرش مصر ( 648 - 655 ه - 1250 م ) فإننا نستطيع القول بان الحكم المملوكي لمصر يعود إلى زمن أبعد من هذا الزمن ، يعود إلى عهد قيام الدولة الطولونية التي كانت في واقعها دولة مملوكية فان أحمد بن طولون مؤسس هذه الدولة سنة 254 هابن مملوك تركي أسر في احدى الغزوات في تركستان نوح بن أسد الساماني إلى الخليفة العباسي سنة 200 مع ما أهداه من الرقيق والهدايا . ثم قدر لولده احمد ان يتولى حكم مصر وان يستقل بها منفصلا عن الدولة العباسية . ويبدو ان احمد هذا حن إلى أصله فأكثر من شراء المماليك حتى بلغ عدد من اشتراهم أكثر من أربعة وعشرين ألف غلام من الأتراك ، وأربعين ألفا من السود . وان دولة يقوم على رأسها ابن مملوك يحوطه ستون ألف مملوك هم عدته في حكمه ، هي في واقع الأمر دولة مملوكية . ثم جاء الإخشيديون وكان مؤسس دولتهم محمد بن طغج الملقب بالاخشيد ( 268 - 334 ه - 882 - 946 م ) من أصل تركي ومن أبناء المماليك ، فزاد على اسلافه الطولونيين وأنشأ جيشا من مماليك الأتراك والديلم ، قيل إنه بلغ عدده في مصر وبلاد الشام اربع مائة ألف جندي عدا [ جرسه ] حرسه الخاص الذي بلغ ثمانية آلاف مملوك . وإذا كنا قلنا عن دولة أحمد بن طولون انها دولة مملوكية لأنها ارتكزت في حكمها على ستين ألف مملوك ، فكيف بنا امام الدولة التي ترتكز على أربعة مائة ألف وثمانية آلاف مملوك . ( 3 ) لا بد لنا من أن نوجز التعريف بالمماليك وكيفية انتشار أمرهم في مصر بتلك الكثافة التي عرفتها تلك العصور : تتالف الأكثرية من مجموع المماليك الذين أخذ الأيوبيون ثم من بعدهم سلاطين المماليك بإحضارهم إلى مصر من أبناء القوقاز وشبه جزيرة القرم والقفجاق وآسيا الصغرى وتركستان وبلاد ما وراء النهر وبعض المناطق الأوروبية . فهم بذلك لا ينتمون إلى أصل واحد . وتعدت تجارة الرقيق تجار الشرق ، إذ أغرت أرباحها غيرهم ، فرأينا نخاسي أوروبا يدخلون السوق متاجرين بالرقيق حتى قبل قيام دولة المماليك ، لا سيما البنادقة والجنوبيين الذين وصلوا إلى شواطئ البحر الأسود شارين للرقيق ، حاملين فتيانه إلى مصر حتى قيل إن ما كان ينقله هؤلاء إلى مصر يبلغ كل عام نحو ألفين ، وفيهم المغول والشراكسة والروم والالبانيون والصقالبة ( السولاف ) . سبقهم إلى ذلك قبل قرون الجرمانيون الذين باعوا أسراهم من الصقالبة إلى المسلمين في إسبانيا . وكانت مساهمة التجار الأوربيين في شراء الرقيق وإرسال ما يرسلونه إلى مصر بما فيها من انتقال هؤلاء إلى الدين الإسلامي - كانت هذه المساهمة حافزا لبعض ملوك أوروبا وباباواتها إلى التدخل للحد من نشاط التجار الأوربيين المسيحيين في هذا الميدان ومنعهم من بيع ما يبيعونه إلى المسلمين وإلى البنادقة لان ما يصل إلى أيدي البنادقة سينتقل حتما إلى أيدي المسلمين . وعند ما يقال إن السلطان المملوكي ( لاجين ) هو من أصل ينتمي إلى شواطئ بحر البلطيق ، وان أنس والد السلطان ( برقوق ) هو من فلاحي الدانوب ، فهذا يعني الإشارة إلى ما قلناه من أن نخاسي أوروبا ساهموا في نقل الرقيق إلى مصر . ويمكن القول إن أهم الأسواق التي كان يشتري فيها المماليك من أوروبا هي أسواق الساحل الشمالي من البحر الأسود وبحر أزوف . وممن ساهم في تكثيف جمهور المماليك في مصر الأتراك الذين كانوا يرسلون أسراهم المجريين لبيعهم في مصر . وكان المماليك بعد شرائهم من مختلف المناطق يباعون في مصر ويشترط فيهم في أوائل اليفاعة من أعمارهم وان لا يتجاوزوا هذه السن .