حسن الأمين

22

مستدركات أعيان الشيعة

التهويل بالتعابير المدوية يمكن ان يطمس الحقائق ويلغي الوقائع يقول الدكتور فهمي سعيد في تقديمه للمحاضرين عن صلاح الدين في المركز الثقافي للبحوث والتوثيق في صيدا - يقول فيما يقول وهو بعض ما نشر في « نهار » يوم السب 10 / 3 / 93 : « وأصحاب الرأي الذي يميل إلى الغض من انجازاته ( صلاح الدين ) جهدوا في اضفاء الطابع العلمي على ملاحظاتهم ، لكن الباحث والمؤرخ المحايد سرعان ما يكتشف أغراضا ذاتية بعيدة المرامي » . بهذا القول العنيف واجه الدكتور سعد من لا يرون رأيه ، وبهذه الصفة النكراء عرض لهم . ولما كنا نحن لا نميل إلى الغض من منجزات صلاح الدين فقط ، ونرى أن وصفنا بهذا الوصف هو قليل في حقنا وخفيف في أمرنا ، لان حالنا ليس حال ( ميل ) ، بل هي حال توغل واقتحام ، وأقوالنا ليست غضا ، بل هي [ نجريح ] تجريح واتهام ، وما نكتبه ليس ملاحظات بل هو ضربات . لذلك نرى اننا لسنا مشموليين بمن عناهم الدكتور سعد فقط ، بل نحن فيمن يمكن ان ينالهم من حممه ما هو أغلظ وأعتى ، ويطولهم من لسانه ما هو أفظ وأقسى . ومن هنا كان علينا ان نواجه الدكتور سعد لا باتهامه ( بالأغراض الذاتية البعيدة المرامي ) فحسب ، بل بالحقائق الناصعة والبراهين القاطعة والحجج الرادعة فنقول : إذا كان للدكتور فهمي سعد ان يجبه أحدا ، وإذا كان له ان يعنف بالقول فلسنا نحن الذين عليه ان يجبههم ويعنف عليهم ، بل هم المؤرخون الأقدمون الذين لم تطاوعهم أقلامهم للسكوت على ما جرى . واننا لنقدم للدكتور سعد نموذجا منهم هو عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي المعروف بأبي شامة صاحب ( كتاب الروضتين في اخبار الدولتين ) النورية والصلاحية . هذا الكتاب الذي ألفه صاحبه للإشادة بنور الدين وصلاح الدين ، وملأ صفحاته بما ملأها من المفاخر المدعاة لصلاح الدين ، والمطاعن المزعومة لأعداء صلاح الدين . هذا الكتاب أبى الله وأبى التاريخ الصحيح الا ان ينطق صاحبه بما كان يود ان لا ينطق به ، فإذا به يسجل ما يمحو كل ما حاول ان يعده حسنات ، ذلك دون ان يدرك خطورة ما سجل ، لأنه في غمرة انبهاره بما يكتب عميت بصيرته عن ادراك هول ما سجل : يقول أبو شامة في الصفحة 581 وما يليها من الجزء الأول - القسم الثاني من كتابه المطبوع في القاهرة سنة 1962 ما نصه : « وكان نور الدين قد شرع بتجهيز السير إلى مصر لاخذها من صلاح الدين لأنه رأى منه فتورا في غزو الفرنج من ناحيته ، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر يطلب العساكر ليتركها بالشام لمنعه من الفرنج ، ليسير هو بعساكره إلى مصر . وكان المانع لصلاح الدين من الغزو الخوف من نور الدين ، فإنه كان يعتقد ان نور الدين متى زال عن طريقه الفرنج أخذ البلاد منه ، فكان يحتمي بهم عليه ولا يؤثر استئصالهم ، وكان نور الدين لا يرى الا الجد في غزوهم بجهده وطاقته ، فلما رأى إخلال صلاح الدين بالغزو وعلم غرضه تجهز بالسير اليه ، فأتاه امر الله الذي لا يرى » ( انتهى ) . ومثل هذا القول قال ابن الأثير . على أن ابن العديم وهو ممن الفوا في تمجيد صلاح الدين يتوسع في ذكر ذلك فيقول في الجزء الثاني من كتابه : « سار الملك الناصر ( صلاح الدين ) من مصر غازيا فنازل حصن الشوبك وحصره ، فطلبوا الأمان واستمهلوه عشرة أيام ، فلما سمع نور الدين بذلك سار من دمشق ليدخل بلاد الإفرنج من الجهة الأخرى ، فقيل للملك الناصر ( صلاح الدين ) : ان دخل نور الدين من جانب وأنت من هذا الجانب ملك بلاد الإفرنج فلا يبقى لك معه بديار مصر مقام ، وان جاء وأنت هاهنا فلا بد من الاجتماع به ويبقى هو المتحكم فيك بما يشاء . والمصلحة الرجوع إلى مصر ، فرحل عن الشوبك إلى مصر » . وكرر ابن العديم الرواية في مقام اخر قائلا : « واتفق نور الدين وصلاح الدين على أن يصل كل منهما من جهة وتواعدا على يوم معلوم ان يتفقا على قتال الفرنج ، وأيهما سبق أقام للآخر منتظرا إلى أن يقدم عليه ، فسبق صلاح الدين ووصل الكرك فحصره . وسار نور الدين فوصل الرقيم وبينه وبين الكرك مرحلتان ، فخاف صلاح الدين واتفق رأيه ورأي أهله على العودة إلى مصر ، ( انتهى ) . ويمكن تلخيص الموقف بما يلي : كانت خطة نور الدين فتح جبهتين على الصليبيين : جبهة مصر بقيادة صلاح الدين ، وجبهة الشام بقيادة نور الدين ، وحصر الصليبيين بين الجبهتين ، وبذلك يتم القضاء عليهم . ويبدو جليا ان صلاح الدين لم يتوقع النصر السريع على الصليبيين لذلك زحف متجها إلى الكرك ، فلما بدت طلائع النصر نكص على عقبيه ، فاضطر نور الدين للرجوع . اما لما ذا فعل صلاح الدين ذلك ؟ فلأنه يريد ان يستقل بحكم مصر ، فإذا زال الصليبيون توحدت مصر والشام وصار هو تابعا لنور الدين . لذلك آثر ان ( يحتمي بالصليبيين ) . نعم يحتمي بهم - كما نص على ذلك - أبو شامة وابن الأثير وغيرهما ، - آثر صلاح الدين ان يحتمي بالصليبيين ، وفضل بقاءهم محتلين للبلاد ، فاصلين بين مصر والشام ، - فضل ذلك على هزيمتهم وتوحيد البلدين . ولم يقدم على حربهم الا بعد موت نور الدين وضمان بقائه مستقلا بالحكم . وانتصر في حطين وتحررت القدس . ولكن هل كانت معركة حطين حاسمة فانتهت بجلاء الصليبيين عن بلاد الشام وعودهم من حيث أتوا ؟ ابدا لم تكن كذلك فالصليبيون محتلون للبلاد ويتحكمون فيها . في هذا الوقت كان الخليفة العباسي ( الناصر ) ( 575 - 622 ه‍ ) تمكن من التخلص من تسلط السلاجقة على الخلافة وتحكمهم في أمورها ، واستقل في رقعة كبيرة من البلاد العربية والإسلامية تشمل العراق وقسما من إيران وتركيا وألف فيها جيشا قويا ، فاتجهت انظاره للمعاونة في إنقاذ البلاد الشامية من الاحتلال الصليبي بجيشه القوي . وكان لا بد له من استئذان صلاح الدين في ذلك . ولكن صلاح الدين الذي احتمى بالصليبيين من نور الدين راح