حسن الأمين

23

مستدركات أعيان الشيعة

يحتمي بهم الآن من الخليفة ( الناصر ) فرد على استئذان الخليفة له بالتحالف معه على الصليبيين - رد على ذلك برفض طلب الخليفة . ونحن لا نريد ان نستشهد على أقوالنا الا بشهادات عملاء صلاح الدين أنفسهم الذين أبى الله وأبى التاريخ الصحيح الا ان ينطقهم بالحق رغما عنهم . ذكر ما قلناه عن طلب الخليفة الناصر التحالف مع صلاح الدين على الإفرنج ، ورفض صلاح الدين ذلك - ذكر هذه الواقعة مؤرخ من أقرب الناس إلى صلاح الدين حتى كان بمثابة ( سكرتير ) شخصي له ، هو عماد الدين الاصفهاني صاحب كتاب ( الفتح القسي في الفتح القدسي ) . ذكر ذلك في الصفحة 176 من طبعة مطبعة الاتحاد بالقاهرة . تعلل صلاح الدين في رفضه بان قواد جيشه غير موافقين على ذلك لأنهم ملوا الحرب . وهنا لا بد لي من تبيان حقيقة جيش الخليفة العباسي وانه كان يمكنه الحاق الهزيمة بالصليبيين وإخراجهم من البلاد ، بدل ان يظلوا محتلين لها مائة سنة بعد ذلك ، مع عودة القدس إليهم بسبب تصرفات صلاح الدين نفسه كما سنرى . بدئ ببنيان هذا الجيش في عهد الخليفة المسترشد بالله ( 512 - 529 ه‍ ) حتى بلغ تعداد المقيم منه في بغداد في عهد ( الناصر ) 150 ألفا . خاض هذا الجيش معارك كثيرة خلال ( 47 ) سنة هي مدة خلافة الناصر أسقط فيها دولا وأنشأ دولا واحتل مدنا وأغاث امارات وممالك وولايات ، ما ليس هنا مكان تفصيله . وصف الشاعر ابن البنية هذا الجيش بقوله : ملك إذا انتظمت صفوف جيوشه أيقنت ان البر بحر مزبد انفت صوارمه الجفون فأصبحت بالنصر في قمم الخوارج تغمد رفض صلاح الدين طلب الخليفة ( الناصر ) انجاده بجيش الخلافة القوي ، الكفيل بهزيمة الصليبيين وإخراجهم من بلاد الشام . رفض ذلك لان انتصار هذا الجيش سيوحد البلاد العربية بانضمام ما يسيطر عليه صلاح الدين منها إلى ما تسيطر عليه الخلافة في العراق وأطراف البلاد الأخرى . كان ما يسيطر عليه صلاح الدين يشمل بلاد الشام ( سوريا وفلسطين و [ لبنن ] لبنان والأردن ) [ امتعداد ] امتدادا إلى جبال طورس ، ويشمل مصر واليمن . وبانضمام هذه الأقطار إلى حكومة بغداد تقوم الدولة العربية الكبرى برعاية الخلافة الإسلامية المرتبط بها العالم الإسلامي كله ارتباطا معنويا حتى في حالة ضعفها . اما حين تكون بهذه القوة فان ارتباط هذا العالم بها يكون الارتباط المتماسك المتضامن الطيع . رفض صلاح الدين ذلك لان قيام هذا الكيان المترامي الأطراف يجعل منه واليا من ولاته وتابعا من تابعيه ، وهو يريد الانفراد بالسلطنة ، ولو في رقعة محدودة . وخوفا من أن يصر الخليفة على إرسال جيشه بادر صلاح الدين إلى التحالف مع الصليبيين وتوحيد جيوشه مع جيوشهم لصد جيش الخلافة إذا تقدم إلى بلاد الشام . ورأى الصليبيون حاجة صلاح الدين إليهم فأخذوا يشتطون في شروطهم لعقد هذا التحالف . وكان أهم ما في شروطهم إعادة فلسطين إليهم واسترجاعهم لكل ما اخذه منهم صلاح الدين فيها من مدن ، فخضع صلاح الدين لشروطهم وسلم لهم بكل ما طلبوا ، مستثنيا القدس لان احتفاظه بها سيديم النشوة التي عرت المسلمين باسترجاعها فيغطي ذلك على استسلامه للصليبيين فلا يدرك المسلمون في فرحتهم حقيقة ما يجري حولهم . قلنا فيما تقدم اننا لا نقدم شهودا على صلاح الدين الا من أهل صلاح الدين ، ممن لم يستطيعوا الا ان يدونوا بعض الحقائق ، على أن تدوين هذا ( البعض ) كشف ( الكل ) . فهذا ابن شداد صاحب كتاب ( الاعلاق الخطيرة في أمراء الشام والجزيرة ) الذي هو ربيب صلاح الدين وأحد رجال بلاطه وصاحب المنصب القضائي في حكومته يعدد لنا المدن التي أعادها صلاح الدين للصليبيين . عندما حالفهم على خليفة المسلمين . وكل ما استطاع ابن شداد ان يخدم به صلاح الدين هو انه كان يسمي ذلك التحالف ( مهادنة ) . يقول ابن شداد وهو يتحدث عن مدينة حيفا في الصفحة ( 177 - 178 ) . « لم تزل في أيدي الفرنج إلى أن فتحها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة ثلاث وثمانين [ ] 583 فلم تزل في يده إلى أن نزل عنها للفرنج فيما نزل عنه لهم في المهادنة التي وقعت بينه وبينهم ، وذلك سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ، ولم تزل في أيديهم » . وقال وهو يتحدث عن مدينة يافا في الصفحة ( 256 ) : ولم تزل في أيديهم ( الفرنج ) إلى أن فتحها عنوة الملك الناصر صلاح الدين سنة ثمان وثمانين وخمسمائة على يد أخيه العادل وخربها وبقيت خرابا إلى أن تقررت الهدنة بين الملك الناصر ( صلاح الدين ) وبين الفرنج وشرطوا عليه إبقاءها في أيديهم « . وهكذا يقول ابن شداد عن غير حيفا ويافا من المدن الفلسطينية . على أن من أخطر ما ذكره ابن شداد هو ان الصليبين كانوا يملون شروطهم ، وصلاح الدين يخضع لتلك الشروط ، وهذا ما ذكره صراحة في حديثه عن يافا . كان الصليبيون يملون الشروط على صلاح الدين لعلمهم بحاجته إليهم في الاعداد معهم لحرب الخليفة إذا عزم على التوجه إلى فلسطين ، وكان صلاح الدين يخضع لتلك الشروط ليتسنى له الاستناد إلى الصليبيين في حربه المتوقعة على أن رفض صلاح الدين قبول نجدة الناصر ، وما بلغ الناصر من عزم صلاح الدين على قتال جيوشه في تقدمها إلى فلسطين حال بين الناصر وبين تنفيذ ما عزم عليه ، فلم يكن ليقدم على الاشتباك في حرب أهلية بين المسلمين . وصلاح الدين الذي تعلل في رفض طلب الناصر انجاده لانقاذ بلاد الشام من الصليبيين - تعلل بان قواد جيشه ملوا الحرب فهم لا يريدون حربا جديدة مع الصليبين . ان صلاح الدين هذا بعد ان سلم للصليبيين بكل ما طلبوا التسليم به واطمان إلى تحالفه معهم ، عاد يفكر في الحروب لا مع الصليبيين - بل مع المسلمين . أعاد فلسطين إلى الصليبيين ورفض انجاد الجيش العراقي له ، فعاد