حسن الأمين
21
مستدركات أعيان الشيعة
تكريت إلى النيل . ومن الشرقي إلى النهروان وأسافل الأعمال ، وأسرفوا في النهب ، حتى بلغ ثمن الثور ببغداد خمسة قراريط إلى عشرة ، والحمار بقيراطين إلى خمسة ، وخرب السواد وأجلي أهله عنه . وحين نعود إلى الخريطة العراقية ونرى المدى الواسع التي تشمله المنطقة التي حددها ابن الأثير وسماها سواد بغداد وقال إنها نهبت وخربت واجلي عنها أهلها - حين نعود إلى الخريطة العراقية نرى عظم المحنة التي حلت بالعراق باستيلاء السلاجقة عليه ، وما فعلوه في تلك المناطق الممتدة من تكريت في الشمال إلى الحلة في الجنوب . ومما يدل على استمرار الظلم على الناس دون انقطاع ، قول ابن الأثير وهو يتحدث عن احداث سنة 448 في بغداد : طال مقام السلطان طغرلبك ببغداد وعم الخلق ضرر عسكره وضاقت عليهم مساكنهم ، فان العساكر نزلوا فيها وغلبوهم على أقواتهم وارتكبوا منهم كل محظور ( ص 626 ) . مع العلم ان الأحداث الأولى كانت سنة 447 . ثم يتحدث ابن الأثير عن اضطرار طغرلبك لمغادرة بغداد مع بعض قواته لمهمة عسكرية : « فلما بلغوا أوانا نهبها العسكر ونهبوا عكبرا وغيرها . وإذا كان شيعة الكرخ لم يشتركوا في الثورة على طغرلبك السلجوقي بل حافظوا على جنوده وحموهم من القتل ، فأمر طغرلبك بإحسان معاملتهم ، وشكرهم على ما فعلوه . - فقد كان ذلك إلى حين ، إذ لم يلبث ان تدخل في شؤونهم العقائدية ، وارغمهم على فعل ما لا يرون فعله . يقول ابن الأثير وهو يتحدث عن استباب الأمر لطغرلبك في بغداد ، وعما بدأ يتخذه من اجراءات جديدة ، يقول : « وأمر أهل الكرخ ان يؤذنوا في مساجدهم سحرا : الصلاة خير من النوم » . ثم زاد على ذلك بعد ذلك بإحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور وزير بهاء الدولة البويهي وكانت من دور العلم المهمة في بغداد ، بناها هذا الوزير الأديب في محلة الكرخ سنة 381 وقد جمع فيها ما تفرق من كتب فارس والعراق ، واستكتب تأليف أهل الهند والصين والروم ، كما قاله محمد كرد علي في خطط الشام - ونافت كتبها على عشرة آلاف كتاب من جلائل الآثار ومهام الاسفار ، وأكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلفين . قال ياقوت الحموي ( معجم البلدان ج 2 ) : وبها كانت خزانة الكتب التي أوقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة ولم يكن في الدنيا أحسن كتبا منها ، كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة . إلى آخر ما قال . . . وكان من جملتها مائة مصحف بخط ابن مقلة على ما ذكره ابن الأثير ( ج 10 ) . وحيث كان الوزير سابور من أهل الفضل والأدب أخذ العلماء يهدون اليه مؤلفاتهم فأصبحت مكتبة من أغنى دور الكتب ببغداد . وقد أحرقت هذه المكتبة فيما أحرق من محال الكرخ عند مجيء طغرلبك . وتوسعت الفتنة حتى اتجهت إلى العالم الكبير أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ، الشهير بالشيخ الطوسي فاحرقوا كتبه وكرسيه الذي يجلس عليه للتدريس . يقول ابن الجوزي في حوادث سنة 448 : وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره . ثم قال في حوادث سنة 449 : وفي صفر من هذه السنة [ ] 449 كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة بالكرخ وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام وأخرج إلى الكرخ وأضيف اليه ثلاث سناجق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديما يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة فأحرق الجميع يقول ( فاسلي فلاديميرو فتش بارتولد ) في كتابه ( تركستان من الفتح العربي إلى الغزو المغولي ص 455 تعريب صلاح الدين عثمان هاشم ط 1981 ) : لم يكن بوسع السلاجقة ان يشبهوا تماما بالسامانيين والغزنويين لأنهم ظلوا حتى آخر أيامهم غريبين على أي ضرب من المدنية . هذا وقد وصلت إلينا معلومات غاية في الثقة تؤكد انه حتى السلطان سنجر آخر السلاجقة الكبار كان أميا ، وليس هناك ما يحملنا على الافتراض بان اسلافه كانوا أكثر ثقافة منه ( انتهى ) . ونقول : ما داموا كذلك ، وما دام لا يمكن تشبيههم لا بالسامانيين ولا بالغزنويين ، فكيف بهم امام أسلافهم البويهيين ؟ ! مصير آخر الملوك البويهيين ثم مصير آخر الملوك السلاجقة قبض طغرلبك على الملك الرحيم وأرسله مقيدا إلى قلعة ( السيروان ) ثم نقله إلى قلعة ( الري ) فتوفي فيها سنة 450 ه ( 1058 م ) . وهكذا تمت السيطرة للسلاجقة بقيادة طغرلبك على بغداد وحلوا فيها محل البويهيين . ولكن ما أمله الخليفة العباسي ( القائم بأمر الله ) بتشجيعه طغرلبك على التحرك نحو بغداد ، ودعوته له إلى الوصول إليها . - ان ما أمله في ذلك من التخلص من سيطرة الآخرين على الخلافة ، وتحكمهم في البلاد دون الخليفة لم يتحقق فقد أحكم السلاجقة منذ أول ملوكهم في بغداد طغرلبك حتى آخر ملوكهم فيها طغرل الثالث - أحكموا قبضتهم على الحكم وعبثوا بالخلافة والخلفاء ولم يتركوا لهم اي نفوذ ، مما لا مجال لتفصيله هنا . وكل ما نقوله ان الأمر ظل هكذا حتى تولي الناصر لدين الله الخلافة بعد وفاة والده المستضيء بأمر الله سنة 575 ه ( 1179 م ) . فقد استطاع هذا الخليفة القضاء على الملك السلجوقي طغرل الثالث بتحريض الخوارزميين عليه وامدادهم بالجنود وأطماعهم بتملك البلاد . فساروا اليه والتقى جيشهم بجيشه سنة 590 ه ( 1193 م ) فدارت الدائرة عليه وقتل في المعركة وأرسل الخوارزميون رأسه إلى الخليفة ( الناصر ) . وبذلك استقل الناصر بالخلافة ، ولما حاول الخوارزميون الحلول محل السلاجقة في بغداد رفض الناصر ذلك فأرسلوا جيشا للاستيلاء على بغداد ففشل الجيش في تفاصيل ليس ذكرها من موضوعنا . صلاح الدين الأيوبي والناصر العباسي : كان المقال التالي ردا على ما نشر في بعض الصحف : أردنا في بادئ الأمر ان نترك المحتفلين بتاريخ صلاح الدين الأيوبي - المحتفلين بذلك دون اية مناسبة - أردنا ان نتركهم وشأنهم ولا نعرض بشيء مما أفاضوا فيه انشغالا منا بالحاضر المحزن عن الماضي المشجي . أردنا ان نتركهم وشأنهم ، ولكنهم لم يتركونا وشاننا ، فصب أحدهم الدكتور فهمي سعد جام غضبه علينا صاخبا شاتما متهما ، ملقيا كلاما ، مجرد كلام فارغ من اي محتوى تاريخي علمي وثائقي ، حاسبا ان