حسن الأمين

130

مستدركات أعيان الشيعة

يتوليان إنفاق هذه الأموال ، كما أن مقادير منها ذهب إلى جيوبهما وإلى بعض أبناء الوجهاء وأهل المنابر . كان مطلب المعتصمين هو عزل علاء الدولة وطرد المسيو نوز وإقرار بيت العدالة . وأرسل ( مظفر الدين شاه ) الأمير بهادر ليقابل رؤساء المعتصمين ، ولكنه لم يفلح . وعند ما سمع الشاه بان المعتصمين يريدون تأسيس بيت العدالة ، قال متعجبا : « إن السيد محمد يريد الجمهورية ، وهذا لن يحصل أبدا في إيران ، والسيد عبد الله وسائر رجال الدين لهم غرض شخصي من ذلك كله لأن بيت العدالة لو تأسس فان أول دفعة ستكون إقفال أبواب منازلهم » . وعلى كل حال ، فبعد شهر من الاعتصام ، رد الشاه إيجابا على دعوات المعتصمين ، وفي يوم 16 ذي القعدة [ ] 1323 عاد قادة المعتصمين إلى المدينة بالعربات الملوكية ، واجتمعوا مع الشاه في قصر ( گلستان ) بحضور عين الدولة . وقد [ ازدانت ] ازدادت المدينة بالأضواء بهذه المناسبة ، وقام عين الدولة بزيارات لزعماء الحركة . ومن البديهي أن الهدف الأصلي لهذا الاعتصام كان معلوما فقط لرؤساء المعتصمين ، وأما باقي الناس فإنهم كانوا يعتصمون ويتجمعون إما تبعا لرجال الدين أو لمصالح شخصية أو لعلاقات صداقة أو لعواطف وطنية أو دينية . وعلى أي حال ، فقد عزل علاء الدولة ، وأعيدت الموقوفات التي انتزعت من رجال الدين لدى هجرتهم للاعتصام في مقام عبد العظيم ، واستقرت الأوضاع موقتا . في هذه الأثناء ، كانت تتشكل منظمات سرية في كل حدب وصوب . ومن تلك المنظمات منظمتان تحملان اسم ( أنجمن كتاب خانه ) و ( أنجمن مخفي ) بقيادة السيد نصر الله سادات أخوي ( 1 ) والسيد محمد صادق الطباطبائي . إضافة إلى الأفراد المصلحين وطالبي الحرية ، كانت هناك جماعة من أصحاب الأغراض الفاسدة تسعى لتأسيس منظمات وتجمعات سياسية ، وكان الشعب المقهور والمحروم الذي قضى السنين تحت سياط عمال الاستبداد مقدما وجوده للناهبين وأصحاب النفوذ ، جاهلا تماما بالتحركات والأهداف التي تحاك خلف الستار ، ويسير بنواياه الطيبة وعواطفه غير المرائية في ركب قادة الشعب ! والخطباء المتحمسين ومؤسسي التنظيمات ، وينخدع بالكلمات المعسولة والوعود الجميلة لقادة المشروطة ، ويبذل روحه وأنفس ما لديه بإخلاص في هذا السبيل . ومضت عدة أشهر ولا من خبر عن تأسيس بيت العدالة ، فتتالت الأحداث : خطبة للشيخ محمد سلطان المحققين ( خطيب المشروطة المقدس ) ضد عين الدولة ، واستتبع اعتقاله تصادمات بين الطلاب والجنود أدت إلى مقتل طالب العلم السيد عبد الحميد . تظاهرات للناس وإطلاق النار عليهم . حوادث مسجد الجمعة . ثم تلا ذلك : نزوح رجال الدين إلى قم في 24 جمادى الأولى [ ] 1324 . واعتصام التجار بأمر من البهبهاني في السفارة الإنكليزية في 23 جمادى الآخرة [ ] 1324 . وأخيرا تحريكات السفارة والهيجان العام في المدن وخاصة في أصفهان وتبريز . فادى ذلك كله إلى دفع الشاه لإقالة عين الدولة وإصدار وثيقة المشروطة ( الدستور والحياة النيابية ) . وبافتتاح المجلس النيابي واستقرار الحياة النيابية الدستورية ( المشروطة ) بلغ البهبهاني أوج قدرته وعظمته . كان الكثير من أعمال البلاد يحل في منزله ، واشتهر ب « شاه سياه » ( أي الملك الأسود ، لسمرة بشرته ) . وكان أكثر النواب واقعين تحت نفوذه وتأثير كلامه ، وكانت موافقته أو مخالفته كافية لثبات أو تزلزل الحكومات . وتمكن المجلس الأول بمساعدة البهبهاني من عزل « مسيو نوز » الذي كان عميلا للروس وعدوا للانكليز . وتمكن هذا المجلس من منعه القروض الخارجية ، وطرح مشروع تأسيس المصرف الوطني ( بأنك ملي ) ، وتنظيم ميزانية الدولة على أساس موازنة صحيحة ، وإلزام الوزراء بتحمل مسئولياتهم أمام المجلس . لقد زلزل هذا المجلس أركان الاستبداد ، وحطم قدرة الحكام . ولكن الأغراض الشخصية ، والجهل ، وطلب السلطة عند زعماء المجلس ، وروح الاستبداد لدى الرجال ، توافقت جميعها مع التحريكات الخارجية ، ومنعت حكومة ( المشروطة ) من النمو والرشد . لم يكن يوجد في المجلس أكثر من عشرين شخصا عارفا بشؤون السياسة ومقتضيات الزمان وأصول الاقتصاد والأمور القضائية والأنظمة المالية والإدارية الجديدة . ولهذا السبب ، إضافة إلى الأغراض المستعجلة ، لم يضع المجلس أساسا صحيحا للحكومة الوطنية ، وبرز طالبو الفساد والهرج والمرج في صفوف الأحرار ، وأسست التنظيمات في كل مكان وانبرت للاستفادة السيئة من الأوضاع وإيجاد حالة الفوضى . لم يتوان الخطباء ومحرر والجرائد عن كيل الإهانات للشاه والآخرين ، وكان الجميع يتظللون بحماية المجلس ! . عمد الشاه في هذه الأثناء إلى تعليق متمم للدستور ، وعزل مشير الدولة ، واستدعى الأتابك لتولي مهمات الدولة في إيران . ورد الأتابك من طريق روسية بسفينة حربية روسية ، واستقبل استقبالا رسميا في ميناء أنزلي . وكان مجاهدو أنزلي يريدون منع من دخول البلاد ، ولكنه طمانهم إلى أنه سيسعى لحفظ الدستور ( المشروطة ) وتقوية المجلس . وحصلت تظاهرات مضادة له في المجلس وعبر التنظيمات ، وخاصة تقي زادة ونواب المجلس الذين أحدثوا ضوضاء كبيرة ضد الأتابك الذي كان صديقا قديما للروس وسدا مانعا من نفوذ الإنكليز . ولكن البهبهاني قال في المجلس بان مجيء الأتابك لا يشكل خطرا ، ومتى أحدث خطرا فانا سنصده . وكان الطباطبائي قبل ذلك يعتقد أنه بمجيء الأتابك علينا أن نقول : ( فعلى إيران السلام ) . أجل ، ورد أتابك طهران في شهر ربيع الأول [ ] 1325 ، وبعد أن اطمان إلى

--> ( 1 ) تولى السيد نصر الله النيابة عن قراء العزاء في الدورة الأولى للمجلس ، وبلغ منصب قاضي ديوان البلاد ، وترك أموالا ومدخرات كبيرة .