حسن الأمين
114
مستدركات أعيان الشيعة
سنة 1142 ه . ولكنه ، لما سار « طهماسب قلي خان » إلى أصفهان لاستخلاصها من يد الأفاغنة ، توقف الشاه « طهماسب » في طهران ، ووقعت معركة « مورشه خورت » في ربيع الثاني سنة 1142 هبالقرب من أصفهان وهو في طهران . وبعد احتلال أصفهان [ ] وفرار « أشرف » الأفغاني سارع الشاه إليها . وكان كل من الشاه و « طهماسب قلي خان » شديد الرغبة في الاسراع ما أمكن بالقضاء على « أشرف » وإراحة إيران من شر الأفاغنة . فلم يدخر « طهماسب قلي خان » جهدا في هذا السبيل حتى وصل إلى مراده . وفي سنة 1143 هسار « طهماسب قلي خان » من آذربيجان قاصدا خراسان ليقمع ثورة جديدة قامت بها قبيلة « أبدالي » في « هرات » . فاغتنم الشاه « طهماسب » فرصة غيابه ليذكر بنفسه وليثبت أن له كفاءة وشخصية قوية مستقلة ، فسار إلى آذربيجان بجيش عدته مائة ألف جندي ليحارب العثمانيين ويخرجهم من أذربيجان . ولكن العثمانيين أوقعوا به هزيمة منكرة وأجبروه على توقيع معاهدة صلح مذلة تقضي بان تكون كل البلاد الواقعة في الجانب الأيسر من نهر « أرس » للعثمانيين . وكان بضعة آلاف من الإيرانيين أسرى عند العثمانيين فسكت « طهماسب » عنهم ولم يطالب باستردادهم ، ولا ذكرت المعاهدة عنهم شيئا . فألحقت هذه المعاهدة خسارات جسيمة بإيران ، وعاد « طهماسب » إلى أصفهان محتقرا مرذولا . ولكنه انصرف إلى اللهو واللعب مستهترا بدلا من أن يسعى إلى جبر انكساراته المخزية وتدارك ما أوقعه ببلاده من فساد . ولما سمع « طهماسب قلي خان » بهذه الواقعة التي حدثت بغير علم ولا مشورة منه وألحقت بإيران إهانة عظيمة أسف كثيرا وغضب غضبا شديدا . وبادر إلى إصدار بيان عممه على جميع حكام الولايات الإيرانية ، في موضع انكسار الشاه « طهماسب » وتسليم كثير من مدن إيران إلى العثمانيين وعدم استرداد الأسرى . وضمن هذا البيان تصريحا بان رجالات إيران ورؤساءها لن يذعنوا لمثل هذه الاساءات ولن يقر لهم قرار حتى يخرج العدو من أرض إيران . ثم أرسل سفيرا إلى بلاط السلطان العثماني « محمود خان الأول » الذي خلف السلطان « أحمد خان الثالث » ومعه رسالة بان أحدا من رؤساء إيران وقواد جيشها لن يرضخ لمثل هذه المعاهدة المذلة ، ولن يقبل بها بوجه من الوجوه . فاما أن تعود إلى إيران كل المدن التي غصبها العثمانيون بمقتضى هذه المعاهدة وإما أن يستعد العثمانيون للحرب . وأرسل إلى « أحمد شاه » والي بغداد ينبئه بعزمه هذا . وفي ذلك التاريخ ، إذ كان العثمانيون قد احتلوا قسما كبيرا من الشمال الغربي من إيران ومن غربها كان الروس قد اغتنموا فرصة الفتنة الأفغانية وتشوش الأحوال في إيران فاعتدوا على سواحل بحر مازندران واستولوا على « بادكوبا - جيلان » ومازندران . فأرسل « طهماسب قلي خان » اثنين من رؤساء عسكره إلى مازندران إلى كبار الضباط الروس ، ومعهما رسالة مضمونها إنذار بان عليهم الجلاء عن هذه البلاد والعودة إلى مملكتهم . فان أبوا فليتهيئوا للحرب . وقد بادر الروس إلى الجلاء عن المدن التي احتلوها فور وصول هذه الرسالة إليهم . وبعد أن اتخذ « طهماسب قلي خان » هذه التدابير وتهيأ للأحداث المقبلة ، سار من مشهد في أواخر سنة 1144 هبتجهيزات عسكرية تامة قاصدا طهران ، وأرسل إلى الشاه « طهماسب » يلتمس منه ملاقاته في طهران . ولكن الشاه لم يجبه إلى التماسه وظل في أصفهان . ووصل « طهماسب قلي خان » إلى طهران فتلبث فيها قليلا ثم سار بجيشه قاصدا أصفهان . فلما وصل إلى قم انضم اليه جيش كان قد طلبه من ولاية فارس يقوده « محمد علي قوللر آقاسي » والي فارس و « محمد خان بلوش » حاكم « كوكيلويه » . ودخل « طهماسب قلي خان » أصفهان بهذين الجيشين ونزل في « باغ هزار جريب » . ثم دخل على الشاه « طهماسب » في « باغ سعادتآباد » . وأراد أن ينفي من نفس الشاه كل سوء ظن به ويجعله مطمئنا اليه ، فلاقاه بكل مظاهر التعظيم والتواضع حتى إذا أصبح قريبا منه قبل الأرض ثلاث مرات ولبث واقفا بين يديه حتى أذن له الشاه بالجلوس . وما زال بالشاه الساذج يتملقه ويظهر له الخشوع والخضوع واستعداده للتفدية وأنه يقف نفسه على خدمته حتى ملك قلبه وجعله يقتنع بان « طهماسب قلي خان » هو خادمه المخلص . ثم قال للشاه : إذ كنت عازما على القيام بعمل عظيم لخدمة صاحب الجلالة ، أريد تحذير أعدائه ودفع المتجاوزين لحدود المملكة ، فان العبد يلتمس أن تنفضل جلالتكم برفع رأسه بان تقوم غدا باستعراض جيش خراسان ، ويكون ذلك باعثا على تشجيع أمراء العسكر ورؤسائه وتقديرهم وتثبيتهم . فان تفضلتم بالقبول بلغ العبد غاية الافتخار . وانقسمت حاشية الشاه إلى فريقين مختلفين . فريق كان يخالف « طهماسب قلي خان » ، وكان على اطلاع على ما وراء هذه الدعوة ، فافهموا الشاه أن هذه الدعوة شرك ينصبه « طهماسب قلي خان » للشاه ونصحوه بان لا يستجيب لها . وفريق كان من أنصار « طهماسب قلي خان » المخلصين المقيمين على الاعتراف بجميله عليهم فشوقوا الشاه إلى إجابة الدعوة وحرضوه على قبولها . وانتهى الأمر إلى رجحان رأي الفريق الثاني وذهب الشاه إلى معسكر « طهماسب قلي خان » . وبالغ هذا في أعداد التشريفات ومظاهر التعظيم للشاه ، وخرج إلى استقباله قاطعا مسافة بعيدة ، وعاد معه راجلا يسير في ركابه ويحدثه إلى أن بلغا المعسكر . فلما جلس الشاه عرفه بامراء خراسان واحدا واحدا ، فشملهم بالملاطفة والعناية . ثم قدم إلى الشاه هدايا لائقة . وكان سرور الشاه عظيما بما لقيه من حفاوة واحترام وهدايا وتحف . ثم التمس « طهماسب قلي خان » من الشاه أن يتفضل بالاستجمام بالمبيت في منزله تلك الليلة ، فيزداد عبده افتخارا ورفعة رأس بهذا التشريف . فلاقى هذا الالتماس هوى في نفس الشاه ، إذ كان ما هياه « طهماسب قلي خان » في هذه الضيافة من وسائل وأسباب لادخال السرور والبهجة والتسلية إلى نفس الشاه قد أقر عينه ، فعدل عن العودة وقرر البقاء وقضى الشاه تلك الليلة يتمادى في اللهو واللعب والأنس ، وأفرط في شرب الخمر حتى عاد لا يعقل ، يترنح ويقع هنا وهناك ، وتبدو منه حركات صبيانية وتصرفات كتصرفات المجانين . أما « طهماسب قلي خان » فجعل يدعو الأمراء والرؤساء من عسكر خراسان وغيرها إلى أن ينظروا بأعينهم خفية إلى حركات السكر التي تبدو منه والأعمال القبيحة