حسن الأمين
91
مستدركات أعيان الشيعة
ومن المبادئ الخلقية للعالم أن يكون مثابرا دؤوبا غير يائس من الكشف عن الحقيقة المنشودة ، فما أكثر ما يقتضي البحث عناء شديدا ، قد لا يحتمله الباحث فينفض عنه في قنوط ، لكن الذي يريد الإحاطة بعلم ما من جميع فروعه إحاطة تتيح له أن يتكلم في أصوله ، وجبت عليه - كما يقول جابر - المثابرة التي لا تعرف إلى الياس سبيلا ، ويستشهد جابر من هذا السياق بالآية الكريمة : * ( ولا تيأسوا من روح الله أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) * وهو يوجه الخطاب إلى مولاه فيقول : وقد سمعت ما جاء به النبي ( ص ) في القنوط ، وأحذرك أن تصير إلى هذه الحال فتندم حين لا ينفعك الندم ، والله أعلم بأمرك ، . . . وو حق سيدي ع إن لم تقبل لتكونن مثل رعاع العامة السفلة الأجناد ، لعنهم الله أكثر مما قد لعنهم « ( 1 ) . ويؤكد جابر لقارئه أنه لا نجاح في عمل علمي إلا إذا كان مسبوقا بعلم ، فالتحصيل النظري أولا ثم التجربة والتطبيق ثانيا ، نعم ان هذا التحصيل الكامل قد يقتضي تعبا وجهدا ، لكنه لا مناص من ذلك إذا أريد الوصول ، يقول : « أتعب أولا تعبا واحدا ، واجمع ، وانظر ، واعلم ، ثم اعمل ، فإنك لا تصل أولا ، ثم تصل إلى ما تريد » ( 2 ) . ومبدأ آخر يوصي ابن حيان ، وهو - فيما أرى - أدخل في المبادئ التربوية منه في مبادئ المنهج العلمي في إجراء البحوث ، لكنه على كل حال طابع يميز جابرا ويصور لنا شخصيته تصويرا واضحا ، ألا وهو التكتم والتخفي ، فواجب العلماء - في رأيه - أن يتكتموا علمهم ، فلا يكشفوه إلا في الظروف الملائمة وإلا للأشخاص الذين يستحقونه ويطيقونه ويستطيعون حمله بما يتفق وكرامته ، لأنك إذا صببت في إنسان علما أكثر مما يطيق ، كنت كمن يضع في إناء أكثر مما يسع فيذهب الأمر هباء ، لا بل إنك لتزهق ذلك الإنسان وتحرقه بما تحمله إياه من علم يعجز عن حمله : « ولولا أنني أمرت أن أعطي الناس بقدر استحقاقهم لكشفت من نور الحكمة ما يكون معه الشفاء الأقصى ، ولكني أمرت بذلك لما فيه من الحكمة ، لأن العلم - يا أخي - لا يحمله الإنسان إلا على قدر طاقته وإلا أحرقه ، كما لا يقدر الإناء والحيوان أن يحمل إلا بقدر طاقته وملئه ، وإلا فاض ، ورجع بالذل والعجز » ( 3 ) . روى الجلدكي في شرح المكتسب عن جابر بن حيان رواية ( 4 ) تبين وجهة نظر ابن حيان في وجوب تكتم العالم حتى يصادف الظروف المواتية ، وذلك أن تلميذا أراد التعلم والأخذ عنه ، فماطله جابر وراوغه ، فلما أصر التلميذ ولم يتحول عن طلبته ، قال جابر : « إنما أردت أن أختبرك وأعلم حقيقة مكان الإدراك منك ، ولتكن من أهل هذا العلم على حذر ممن يأخذه عنك ، واعلم أن من المفترض علينا كتمان هذا العلم ، وتحريم إذاعته لغير المستحق من بني نوعنا ، وأن لا نكتمه عن أهله ، لأن وضع الأشياء في محالها من الأمور الواجبة ، ولأن في إذاعته خراب العالم ، وفي كتمانه عن أهله تضييع لهم » . ونختم حديثنا عن منهج ابن حيان بموجز لهذا المنهج يضغطه في عشر نقط ( 5 ) ، هي : 1 - على صاحب التجربة العلمية أن يعرف علة قيامة بالتجربة التي يجريها . 2 - على صاحب التجربة العلمية أن يفهم الارشادات فهما جيدا . 3 - ينبغي اجتناب ما هو مستحيل وما هو عقيم . تجب العناية باختيار الزمن الملائم والفصل المناسب من فصول العام ( في هذه الفقرة إشارة إلى اعتراف جابر بتأثير النجوم ومواضعها في البحوث العلمية كما سيرد ذكر ذلك مفصلا في هذا الكتاب ) . 5 - يحسن أن يكون المعمل في مكان معزول . 6 - يجب أن يتخذ الكيموي أصدقاءه ممن يثق فيهم . 7 - ولا بد أن يكون لديه الفراغ الذي يمكنه من إجراء تجاربه . 8 - وأن يكون صبورا كتوما . 9 - وأن يكون دؤوبا . 10 - وألا تخدعه الظواهر فيتسرع في الوصول بتجاربه إلى نتائجها . تصنيف العلوم إنه لمما يتصل اتصالا وثيقا بالمنهج عند العالم الفيلسوف أو عند الفيلسوف العالم ، أن يصنف العلوم تصنيفا يبين حدودها والعلاقة القائمة بينها ، وان الأمر هنا ليحتاج إلى نظرة واسعة شاملة تنظر إلى المعرفة الإنسانية جملة واحدة ، فلئن كان المختص في علم واحد ملما بأطراف علمه وحدوده ، فهو لا يشمل بنظرته ما وراء هذا العلم المعين من علوم أخرى ، لا بد أن تكون على صلة به بعيدة أو قريبة ، ما دام [ العاللم ] العالم عالما واحدا ، ولعل هذا الفرق بين النظرة المحدودة بحدود علم واحد ، والنظرة الشاملة للعلوم جميعها في علاقاتها بعضها ببعض ، أقول لعل هذا الفرق بين النظرتين هو أبرز ما يميز نظرة العلم الصرف من نظرة الفلسفة ، فالفلسفة دائما تعنى بالتفكير العلمي في عصرها ، أعني أنها لا تختلف عن العلم أصلا وجوهرا ، وأما موضع الاختلاف بينهما فهو درجتا التخصيص أو التعميم . فالعلم الواحد يختص بموضوع واحد ، والفلسفة تحلل لتصل إلى القاعدة العميقة التي تشترك فيها العلوم كلها ، وعنها تتفرع ، وبديهي أن تكون هذه القاعدة المنشودة غاية في التعميم ، ما دامت تغض النظر عن الاختلافات النوعية جميعا ، وهي الاختلافات التي تفرق بين علم وعلم . فلا تكاد تجد في تاريخ الفلسفة فيلسوفا لم يتناول علوم عصره
--> ( 1 ) المقالة الرابعة والعشرون من كتاب الخواص الكبير ، مختارات كراوس ص 317 . ( 2 ) نفس المرجع ، ص 323 - 324 . ( 3 ) كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، مختارات كراوس ، ص 47 . ( 4 ) حاجي خليفة ، كشف الظنون ، ص 343 - 344 . ( 5 ) Holmyard , E . J , Chemistry to the Time of Dalton ص 17