حسن الأمين

92

مستدركات أعيان الشيعة

بالتصنيف ، ولئن اختلف الفلاسفة في تصنيفهم للعلوم ، فذلك راجع - فضلا عن اختلافاتهم في وجهة النظر - راجع إلى اختلاف العلوم نفسها عصرا بعد عصر ، فلا وجه للغرابة - إذن - أن نجد تصنيف جابر لعلوم عصره مشتملا على جوانب لا نقرها نحن اليوم بين العلوم المعترف بها في عصرنا . ردف ابن حيان بين ثلاث كلمات فجعلها بمعنى واحد ، وهي « العلم » و « العقل » و « النور » ، ولو فهمنا كلمة « النور » بمعنى الإشراق العقلي الذي يتيح للإنسان أن يدرك حقيقة ما بعيانه العقلي المباشر ، أي أنه يدركها بحدسه الصادق ولقانته - وقد استعمل ديكارت كلمة « النور » في مسألة الإدراك بهذا المعنى ، فهو استعمال مجازي قريب إلى الأذهان - أقول إننا لو فهمنا كلمة « النور » بمعنى « الحدس » الصادق المهتدي بطريق مباشر إلى الحقيقة المدركة ، لكانت الكلمات الثلاث المترادفة عنده هي : « الحدس » و « العقل » و « العلم » ، ولهذه المرادفة مغزى بعيد ، إذ تدل على أن العلم عند ابن حيان عملية عرفانية صرف ، تكشف عن حقائق موجودة قائمة ، ولا تخلق ما ليس موجودا ولا قائما ، أو إن شئت فقل إن العلم عنده عملية فيها إدراك ولكن ليس فيها إرادة ونزوع إلى فعل ، أي أن العلم ليس من شانه أن يغير شيئا ، فالعالم هناك بعناصره وكيفياته منذ الأزل ، فكما تنير مصباحا في غرفة مظلمة فتكشف بضوء المصباح عن أثاث الغرفة دون أن تضيف إليه شيئا أو أن تغير من أوضاعه شيئا ، فكذلك علم العالم إزاء الكون وموجوداته ، فهو « نور » يكشف لصاحبه عما هنالك وكفى ، وهذا يقتضي أن يتساوى موقفان : موقف تكون الحقائق التي تنكشف لنا مما يمكن أن يتحول إلى فعل ، وموقف آخر لا تكون الحقائق المكتشفة فيه مما ينفع في تغيير الأشياء . والحق أن قد لبثت الفلسفة طوال العصر القديم والعصر الوسيط ، تنظر إلى الحقيقة من جانبها العرفاني الادراكي الصرف ، فيكفي الإنسان أن « يعرف » ما هنالك ، بغض النظر عن طبيعة هذه المعرفة من حيث علاقتها بجانب الإرادة الفاعلة النشيطة ، حتى جاء عصر النهضة الأوروبية ونادى فرانسس بيكن بدعوته القوية نحو أن يكون « العلم قوة » - وهذه عبارة بيكن - قاصدا بذلك أن يقصر كلمة « العلم » بمعناها الصحيح على ما يزود الإنسان بالقدرة على الفعل ، وإذا لم يكن للمعرفة التي نحصلها أو نكشف عنها هذه القابلية ، فليست هي عنده من العلم في شيء - وغني عن البيان أن المدرسة البرگماتية المعاصرة تعد تلبية لدعوة بيكن هذه . ونعود إلى عالمنا الفيلسوف جابر بن حيان ، ونقول إنه رادف بين : « العلم » و « العقل » و « النور » ( - الحدس الصادق ) ، أي أنه لا يشترط في العلم أن يكون قابلا للتطبيق والفعل ( 1 ) ، وهذه هي عبارته بنصها : « العلم نور ، والعقل نور ، فالعلم عقل ، والنور عقل ، كل واحدة من هذه يمكن أن تكون مقدمة ، ويمكن أن تكون وسطا ، فتقول : كل علم عقل ، وكل عقل نور ، فالنتيجة كل علم نور ، وكذلك إذا قدم العقل وجعل العلم وسطا ، كان كذلك ( يعني أنك تستطيع أن تقول كل عقل علم وكل علم نور ، فالنتيجة كل عقل نور ) وكذلك إذا قدم النور وجعل العلم وسطا ، فكان : كل نور علم ، وكل علم عقل ، فالنتيجة كل نور عقل » ( 2 ) . وفيما يلي مخطط بالعلوم كما يصنفها جابر بن حيان ، استخرجناه من أقواله ، وسنعقب عليه بتعريفاته لهذه العلوم علما علما ، مع ملاحظة أنه يقدم لكل علم تعريفين ، لأنه ينظر إلى كل علم من زاويتين : فتعريف العلم منظورا إليه من ناحية الطريق التي يعلم بها ، وتعريف آخر للعلم نفسه منظورا إليه من حيث هو علم قائم بذاته ، سواء وجد من يتعلمه أو لم يوجد ، بعبارة أخرى ، التعريف الأول لكل علم هو تعريف له في علاقته بالإنسان الذي يحصله ، أي أنه تعريف له من الناحية التربوية ، وأما التعريف الثاني فهو تعريف للعلم المعين في حدوده الموضوعية المستقلة عن الإنسان ( 3 ) .

--> ( 1 ) لكن جابرا أراد أن يعرف « علم الدنيا » قال عنه : إنه العلم بما يجلب النفع ويدفع الضرر - راجع فقرة 20 وما بعدها في هذا الفصل . ( 2 ) كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، مختارات كراوس ، ص 48 . ( 3 ) تصنيف العلوم وتعريفها واردان في : « كتاب الحدود » وهو من المختارات التي نشرها پول كراوس .