حسن الأمين
90
مستدركات أعيان الشيعة
ملاحظاته فتكون هي قوانين الطبيعة ، وإن كانت الثانية فالأمر أمر تحليل عقلي يرتد بنا إلى المبدأ الأول الذي عنه صدرت الظواهر كلها ، فها هنا في هذه الحالة الثانية تكون العلاقة السببية بين الظواهر علاقة ضرورية ، بمعنى ان المسبب يكون كامنا في السبب بالقوة ، ثم يخرج إلى الظهور بالفعل خروج النتيجة العقلية من مقدمتها الملزمة لها ، لا مجرد ظهور اللاحق الذي يلحق سابقة دون أن تكون بينهما أية رابطة باطنية داخلية تجعل طبيعة اللاحق منبثقة من طبيعة السابق . ولست أشك في أن فلسفة جابر الكونية هي فلسفة عقلية تربط الأشياء بالروابط السببية الضرورية ، التي يكشف عنها التحليل العقلي ، فالسببية عنده هي سببية الكمون أو هي سببية المحايثة - كما تسمى أحيانا - هي السببية التي لا تجعل تلاحق السبب والمسبب أمرا عارضا قد يكون وقد لا يكون ، بل تجعله أمرا ضروريا محتوما ، ما دام المسبب كان موجودا في سببه بالقوة قبل ظهوره بالفعل ، فكأنما السبب يلد مسببه ولادة طبيعية ، يقول جابر : « إن في الأشياء كلها وجودا للأشياء كلها ، ولكن على وجوه من الإخراج » ( 1 ) وأظن أن دلالة هذه الجملة واضحة في أن الكون كله مترابط في وحدة واحدة ، فإذا رأيناه يتخذ ظواهر متعددة ، فهذه الظواهر يرتد بعضها إلى بعض ويخرج بعضها من بعض ، والكل في النهاية يرجع إلى أصل واحد كان يحمل كل شيء في جوفه بالقوة ثم ظهر منه كل شيء بالفعل ، والعقل - دون مشاهدة الحواس - هو بالطبع ما يدرك هذه الرابطة بين الأشياء المختلفة في ظاهرها ، المتحدة في أصلها ومصدرها ، على أن الأشياء يخرج بعضها من بعض على صورة طبيعية أحيانا ، وعلى صورة مصطنعة مدبرة من الإنسان أحيانا أخرى ، وهذه الحالة الثانية هي مجال العلم ، أي أن التجارب العلمية في إخراج الأشياء بعضها من بعض إنما تحاكي الطبيعة فيما تؤديه من هذا الإخراج ، فيقول جابر في ذلك : « التدبير على القصد المستقيم ( - التجربة العلمية السليمة ) هو الذي يخرج ما في قوى الأشياء ، مما هو لها بالقوة ، إلى الفعل ، فيما يخرج هو بطبعه ، وفيما لا يخرج حتى يخرج » ( 2 ) . الاستنباط العقلي إذن ضروري لكي نستعين به على إدراك الروابط الضرورية بين الأشياء ، لكن الاستقراء أيضا ضروري لكي نستعين بمنهجه على إجراء التجارب التي نحاكي بها الطبيعة في إخراج شيء من شيء ، فكيف نجمع بين المنهجين ؟ إن لجابر عبارة وردت في كتابه : « الأحجار على رأي بليناس » ( 3 ) أراها - مع شيء من الاجتهاد في التأويل - تصف لنا كيف يكون الجمع بين المنهجين في الطريقة العلمية ، وهذه العبارة هي : « ينبغي أن تفرد ما أخرجه لك الهجاء ، عما أخرجه لك الحدس ، لتطلب مثل ما أخرجه الحدس بالإضافة إلى الصورة ، ليصير لك الشكلان شكلا واحدا » - فما معنى ذلك ؟ إن أحد المبادئ المنهجية عند ابن حيان مبدأ سنفيض القول فيه فيما بعد ( 4 ) ، وهو أن اسم الشيء دال بحروفه على طبيعة ذلك الشيء ، وإذن فمن أحرف الهجاء التي منها تتركب أسماء الأشياء ، تستطيع أن تستدل على طبائع الأشياء التي على أساسها تجري تجاربك العلمية في إخراج الأشياء بعضها من بعض ، وهذا هو جانب واحد من البحث ، وأما الجانب الثاني فهو أن تستلهم الحدس العقلي ما ذا عسى أن تكون طبيعة شيء معين تريد معرفة تركيبه ، فبالحدس العقلي وما [ ينبنى ] يبنى عليه من استنباطات عقلية صرف ، يمكنك أن تعرف - مثلا - طبيعة النحاس أو الذهب ، دون أن تلجأ إلى ملاحظة خارجية لخصائص هذين المعدنين ، وبهذا تتكامل عندك نتيجتان عما تريد العلم به : إحداهما جاءت عن طريق البحث في اسم هذا الشيء الذي تريد أن تحيط به علما ، وما تدل عليه الأحرف المكنونة لهذا الاسم ، والأخرى جاءت عن طريق التفكير العقلي الباطني الخالص ، فإذا تطابقت النتيجتان كان بها ، وإلا فإذا اختلفتا فعليك أن تكمل النتيجة التي جاءت عن طريق البحث الظاهري بما قد دلت عليه النتيجة التي جاءت عن طريق التفكير الباطني ، أي أن الأولوية لحكم العقل ، فهو معيارنا الأخير في استقامة الأحكام التي تجيء عن طريق البحث في الظواهر بالملاحظة الخارجية . فمهما يكن من قيمة البحث في الظواهر ، فلا مناص لنا من الرجوع آخر الأمر إلى ما يحكم به العيان العقلي لنهتدي به سواء السبيل ، وهذا العيان العقلي لا يكون لك ولي من أفراد الناس ، بل يكون بادئ ذي بدء وحيا يوحى به إلى نبي ثم يتوارث ، وبغير هذا السند نظل نتخبط أي يكون الحق وأين يكون الباطل ، فلشكوك - في رأي جابر - لا تنجاب « إلا بالعيان وبإقامة البرهان . . . وإقامة البرهان لا تكون إلا بالعيان . . . والعيان من أفعال الأنبياء » ( 5 ) وهذا هو بعينه ما يقوله حين يقول أيضا : « فوالله ما لي في هذه الكتب إلا تاليفها ، والباقي علم النبي » ( 6 ) . من أخلاق العلماء : لقد نثر ابن حيان في غضون مؤلفاته مبادئ يراها لازمة لكل من يتصدى للبحث العلمي ، فهي - إذا شئت - المنهج الخلقي للعلماء ، ومن هذه المبادئ انصاف الخصوم ، والإنصاف يقتضي كذلك أن ينصف الباحث نفسه إزاء خصومه ، فليس من الإنصاف الكامل أن توفي خصومك حقوقهم ثم تفرط في حق نفسك عندهم ، لأن المسألة بينك وبينهم مسألة حق يراد بلوغه ، فإذا كنت بصدد خصم علمي في فكرة بعينها ، فواجبك أن تعرض حججه كلها ، حجة حجة ، لا تترك منها شيئا وأنت عامد ، ولا تضيف إليها من عندك شيئا وأنت عامد ، ثم تذكر عن كل حجة ما لها وما عليها من وجهة نظرك ، يقول ابن حيان : « إن العالم إذا كان منصفا فإنه ليس ينزل في الأقسام شيئا إلا ذكره ، واحتج عليه وله ، وأخذ حقه من خصومه ، ووفاهم حقوقهم ، وإلا فقد وقع العناد حماقة وجهلا » ( 7 )
--> ( 1 ) كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، مختارات كراوس ، ص 4 . ( 2 ) نفس المصدر ، ص 7 . ( 3 ) مختارات كراوس ، ص 134 . ( 4 ) انظر الفصل الرابع من هذا الكتاب . ( 5 ) كتاب الخواص ، مختارات كراوس ، ص 332 . ( 6 ) نفس المصدر ، ص 317 . ( 7 ) كتاب التجميع ، مختارات كراوس ، ص 363 .