حسن الأمين

89

مستدركات أعيان الشيعة

يخبر به ما دام لم يقع له في مشاهداته المباشرة ، « فجهل بطريق الاستدلال - على ما قدرنا - واضح » ( 1 ) . إن الدهريين ليستندون في إنكارهم لخلق العالم إلى أن أحدا من الناس لم يشاهد قط عالما بدئ بتكوينه ، حتى يجوز لنا القول بان عالمنا هذا قد كان له بداية ، لكننا - على أساس المنهج الاستدلالي الذي شرحناه - نسألهم بدورنا : أولا - لما ذا لا يكون الإنسان قد خلق بعد خلق الكون بدهر طويل ، بحيث لم يتح له أن يشهد البدء ؟ وإذا سلمنا بذلك فهل يحق للإنسان أن يحكم بقدم وجود بدء للخلق ما دام مثل هذا البدء لم يقع في خبرته المباشرة ؟ وثانيا - أفرض أن هنالك مدينة أو قصرا لا يذكر أحد متى بنيت تلك المدينة أو متى بني ذلك القصر ، أفنقول - إذن - إن المدينة أو القصر ليس لها أوله أول على غرار ما يقول الدهريون عن قدم العالم ؟ فإذا قال الدهري إنه في حالة المدينة أو القصر لا يقول بالقدم ، لأنه قد شاهد المدن والقصور تبنى ابتداء ، فليس عليه من حرج أن يقيس على ما يرى ، فردنا عليه هو : على أي أساس تحكم بان ما يشبه ما قد رأيته يكون عندك صوابا مع أنك لم تشهده ، وما ليس يشبه ما قد رأيته يكون عندك خطا ؟ إنك في كلتا الحالتين لم تشاهد هذا الذي حكمت عليه بحكم ما ، ووجود شبيهه في خبرتك أو عدم وجوده - ان دل على احتمال - فهو لا يدل على صدق ضروري لازم واجب يقيني محتوم . إن من حق جابر علينا أن نسجل له هنا بهذا الذي أوردناه عنه في موضوع الاستقراء ، من أنه يؤدي إلى الحكم الاحتمالي فقط دون اليقين ، سبقا لرجال المنهج العلمي في العصور الحديثة ، الذين أوشكوا اليوم - منذ « ديفد هيوم » - أن يكونوا على إجماع في هذا ، حتى لقد أصبح من أبرز الخصائص التي تميز العلم اليوم أنه احتمالي النتائج ما دام قائما على أسس استقرائية ، وان رجال المنطق اليوم ليصطلحون على تسمية هذه المشكلة كلها « بمشكلة الاستقراء » ومؤداها : كيف نوفق بين أن يكون منهج العلم استقرائيا ، وأن تكون قضاياه مقبولة الصدق ؟ المنهج الرياضي في البحث العلمي : إنه إذا كانت المشاهدة الاستقرائية وحدها غير مؤدية إلى يقين ، وجب علينا أن نلتمس مصدرا آخر لليقين إذا أردنا ، ومصدره - عند جابر - هو المبادئ العقلية التي تدرك بالعيان العقلي المباشر ، ثم ترتب عليها النتائج المستنبطة منها ، فاما المبادئ العقلية فلا برهان على صدرها لأنها مدركة إدراكا مباشرا ، وأما النتائج فصدقها مضمون ما دام استنباطها من تلك المبادئ سليما . يقول جابر ما نصه : « إنه ينبغي أن تعلم أولا موضع الأوائل والثواني في العقل ، كيف هي ، حتى لا شك في شيء منها ، ولا تطالب في الأوائل بدليل ، وتستوفي الثاني منها بدلالته » ( 2 ) - وان هذا النص القصير الموجز ليرسم حدود المنهج الرياضي في تركيز واضح ، ولسنا نقصر « المنهج الرياضي » على العلوم الرياضية وحدها ، بل إنه منهج ينتهج في أي بحث علمي آخر ما دام الباحث ينشد يقين النتائج ولا يكتفي بالنتائج الظنية ، وهو منهج يوصي به فلاسفة كثيرون ، وعلى رأسهم ديكارت في تاريخ الفكر الأوروبي الحديث ، فلو شئت تلخيصا للمنهج الديكارتي كله ، لما وجدت خيرا من هذا النص الموجز الذي أسلفناه عن جابر بن حيان . يفرق جابر في النص المذكور بين ما أسماه « بالأوائل » وما أسماه « بالثواني » في العقل ، أما الأوائل فهي بطبيعة كونها أولة في العقل لا تكون مستنبطة من سواها ، وإلا لما كانت أولة ولسبقها غيرها ، هو هذا الذي استنبطناها منه ، ولذلك فلا يطلب على صدق « الأوائل » برهان سوى حدسها حدسا صدقا ومباشرا ، أو رؤيتها بالعيان العقلي رؤية مباشرة ، وأما « الثواني » فهي التي تأتي بعد ذلك عن طريق الاستنباط من « الأوائل » ، وهذه الثواني هي التي يطلب عليها الدليل ، ودليلها هو أن يردها الباحث إلى الأوائل التي جاءت الثواني منها نتائج لازمة عنها ، فهكذا تكون الرياضة - كالهندسة مثلا - إذ تبدأ بمسلمات مفروضة الصدق ، ولا يطلب على صدقها برهان ، ثم تستنبط منها « النظريات » التي يكون دليل صدقها هو إرجاعها إلى المسلمات الأولية التي منها جاءت . وإن رجال المنهج العلمي ليختلفون - وما يزالون يختلفون إلى يومنا هذا - أي المنهجين أولى في البحث العلمي : الاستقراء الذي قصاراه نتائج محتلمة الصدق ، أم الاستنباط الذي يضمن اليقين في النتائج ، على شرط أن تكون مقدماته يقينية ، ولا تكون المقدمات كذلك إلا إذا جاءت عن غير طريق الملاحظة الخارجية ، أي أنها تجيء عن طريق الإدراك الحدسي المباشر من الداخل ؟ أم أنه لا بد من الجمع بين هذا وذاك : فنلاحظ ظواهر الطبيعة أولا ، ثم نحدس بالعيان العقلي فرضا نفرضه لتفسير ما قد لاحظناه ، ثم نركن إلى الاستنباط في استخراج ما يلزم عن ذلك الفرض لزوما عقليا ؟ . . . ان لكل من هذه الاتجاهات من يناصره ، « ففرانسس بيكن » ( 1561 - 1626 ) مثلا نصير للملاحظة الخارجية وحدها ، و « ديكارت » ( 1596 - 1650 ) نصير للاستنباط العقلي وحده ، و « جون ديوي » ( 1859 - 1952 ) نصير للجمع بين الملاحظة الخارجية والاستنباط معا . وها هو ذا عالمنا العربي جابر بن حيان - فيما نرى - يضطر إلى الاستنباط والاستقراء معا في منهجه ، وان يكن - فيما أظن - لا يجمع بينهما في عملية منهجية واحدة ، إذ يجعل لهذا موضعه ولذاك موضعه ، فبينما تراه يؤكد ضرورة الملاحظة الخارجية في تجاربه العلمية - كما أسلفنا القول في ذلك ، تراه من ناحية أخرى يبني مذهبه العلمي كله على أساس لو حللته لوجدته هو المنهج الرياضي الاستنباطي بعينه ، فحدوس أولية يراها العقل رؤية مباشرة ( أو يوحي بها إلى نبي ثم يتوارثها الخلفاء الشرعيون من بعده ) ثم نتائج تلزم عن تلك الحدوس . فليس الفرق بين المنهجين - في حقيقة الأمر - فرقا سطحيا وكفى ، بل إنه ليضرب بجذوره إلى أعماق الفلسفة التي يصطنعها الباحث العلمي عن الكون : أهو يسير على اطرادات يجيء فيها تعاقب الأحداث أمرا واقعا لكنه لا يهدف إلى شيء ، أم أنه يسير على خطة عقلية تستهدف غاية معلومة ؟ فان كانت الأولى فما على العالم إلا أن يلاحظ تعاقب الأحداث المطردة ويسجل

--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 423 . ( 2 ) المقالة الأولى من كتاب الخواص الكبير ، مختارات كراوس ، ص 234 .