حسن الأمين
68
مستدركات أعيان الشيعة
ورأى السلطان خليل اثنتي عشرة جلدة قليلة بحقه بعد كل المخالفات التي ارتكبها فنهض من مجلسه ودخل دار الخلوة وتبعه سليمان فأراه الأمر الملكي ثم بادر إلى قطع رأسه وحمله إلى المجلس وقرأ على الحاضرين الأمر الصادر بحق السلطان خليل ، ثم أوكل أمور فارس إلى أحد المقربين من الحاكم المقتول ومعه جماعة أصحاب الحل والعقد من قبيلة ذو القدر ، وغادر شيراز بعد ذلك في نفس اليوم حاملا معه رأس السلطان خليل ، وبعد وصوله المعسكر الصفوي ، أصدر الشاه إسماعيل أمره بتعيين علي بيك ذو القدر حاكما على ولاية شيراز وبعثه إليها . معارك ديار بكر ونشاطات سليم المعادية لإيران ذكرنا آنفا أن السلطان سليم مكث في آماسيه عدة أسابيع في عودته إلى الأراضي العثمانية عازما على فتح القلاع الإيرانية الحصينة الموجودة في تلك المنطقة ، ومن هذه القلاع قلعة كماخ التي يذكر المؤرخون أن فتحها كان أمرا عسيرا بالنسبة إلى سائر الملوك في الحقب المتعاقبة . وكان أمر حراسة القلعة في الأصل على عاتق أحد أفراد قبيلة ورساق الموسوم بالسلطان يوسف إلا أنه كان قد التحق بمعسكر القزلباش خلال هجوم العثمانيين على تبريز وأوكل أمر الحراسة إلى أخيه وترك معه ثلاثمائة من أبطال ورساق . وقدم السلطان العثماني إلى القلعة فشاهد تحصينها ومناعتها فأدرك أن فتحها لن يتم دون التضحية بخسائر جسيمة من جنوده ، ومن ثم بعث صاحب أرزنجان سفيرا عنه إلى حارس القلعة وحمله رسالة أمان له ولأصحابه إن هو سلم القلعة ، وفي خلاف ذلك سيكون مصير من في القلعة الموت المحتوم لأنه ( السلطان ) سيفتح القلعة حتى ولو اقتضى الأمر التضحية بنصف قواته . وجمع الحارس أصحابه فعرض عليهم رسالة السلطان طالبا رأيهم في الأمر فكان رأيهم جميعا عدم الاستسلام والطلب من السلطان أن يمهلهم حتى يتبينوا ما يؤول الوضع إليه في الولاية كلها ، وما يستقر عليه رأي الدولتين . وأبلغ السلطان سليم بطلبهم فاستشاط غضبا وأمر قوات اليني جري بالهجوم ومن ورائها قوة أخرى ، فأحاط هؤلاء بالقلعة من جهاتها الأربع وكان عددهم يتجاوز الثلاثين ألفا فاشتد زحامهم في أرض صغيرة وسقط العديد منهم في الخندق حتى امتلأ بهم بدلا من الصخور والأحجار وعبر الآخرون على أجساد أصحابهم واستطاعوا تسلق سور القلعة وبرجها واشتد دفاع القزلباش عن قلعتهم حتى غلبوا على أمرهم في آخر الأمر فتركوا القتال ولاذوا بالمسجد الجامع فحاصرهم العثمانيون منتظرين استسلامهم إلا إنهم خرجوا في الليل على حين غرة وانقضوا على العثمانيين وراحوا يقاتلون حتى أبيدوا عن آخرهم . وبعد فراغه من قلعة كماخ أمر السلطان سليم سنان باشا بالسير على رأس جيش كبير للقضاء على علاء الدولة ذو القدر فالتقى الطرفان في مدينة بوستان ودارت رحى الحرب بينهما فقتل علاء الدولة ذو القدر وتفرق جيشه . وبعث سنان باشا إلى السلطان من يخبره بالنصر المؤزر ففرح فرحا عظيما وعين سنان باشا في منصب الوزير الأعظم ثم واصل رحلته إلى إسطنبول . وفي تلك الأثناء دخل قره خان ديار بكر على رأس ألفي مقاتل من قبيلة الاستاجلو . والجدير بالذكر أن السلطان سليم أوكل في الظاهر إدارة المناطق التي كانت خاضعة لعلاء الدولة إلى علي بيك بن شهسوار وقد ذكرنا سابقا أنه لجا إلى العثمانيين واحتمى بهم بعد أن قتل المصريون أباه في القاهرة . وقد ظل هذا الشخص يحظى باحترام العثمانيين ومودتهم حتى انقضت حاجتهم إليه فاستدعاه الوزير الأعظم العثماني فرهاد باشا بأمر من السلطان سليمان عام 928 واستدعى معه أبناءه وأحفاده فلما دخلوا الفسطاط أمر جلاديه بالقضاء عليهم فخنقوهم جميعا . وعلى أي حال فقد قدم قره خان إلى ديار بكر وتوجه من فوره إلى مدينة ماردين التي كانت مركز الولاية ومقرا لخان محمد استاجلو ، فأبلغ هناك أن بعض أعيان المدينة بعثوا وراء محمد باشا الذي عينه السلطان سليم حديثا واليا على ديار بكر يستمدونه العون ويبلغونه استعدادهم لتسليم المدينة إلى الدولة العثمانية فأمدهم بستة آلاف مقاتل . فبادر قرة خان إلى التصدي لهم في ألفي فارس فشتت جمعهم وأهلك العديد منهم . واستطاع قرة خان بعد هذه المعركة أن يبسط سلطانه على أكثر مناطق ولاية ديار بكر حتى عزم السلطان سليم مرة أخرى على فتح إيران ومصر في ربيع الأول عام 922 فجهز جيشا عظيما وبعث إلى ديار بكر بعدة آلاف من المقاتلين وزودهم بالبنادق والمدافع لمساعدة محمد باشا ، فقام الأخير بعد وصول المدد بحشد قواته في مدينة آمد فبلغت خمسة عشر ألف مقاتل ثم غادر المدينة متوجها إلى مدينة ماردين وكان فيها قرة خان على رأس قوة لا تتجاوز ربع عدد قوات الخصم فتصدى لمحمد باشا ببطولة ودارت بين الطرفين معركة طاحنة كان مقاتلو القزلباش خلالها يلقون بأنفسهم في قلب صفوف العدو دون مهابة أو وجل فيشتتونها وحدث عدة مرات أن فر العثمانيون أمام هجمات القزلباش وكان هؤلاء يعيدون تنظيم صفوفهم بعد كل هجوم ثم ينقضون ثانية وثالثة على العدو حتى آذنت الشمس بالمغيب فانسحب العثمانيون من أرض المعركة فأطلق قره خان - في غمرة فرحه - العنان لفرسه محاولا اللحاق بمحمد باشا فأطلق أحد الجرحى العثمانيين عليه النار فاراده قتيلا . وحين أبلغت زوج قرة خان پري خانم بمصرع زوجها استدعت القوات على عجل ولم تكد تمضي ساعة واحدة على