حسن الأمين

69

مستدركات أعيان الشيعة

الغروب حتى توجهت بجيش القزلباش نحو آذربايجان ، وكان قادة الجيش على يقين من أن قوات العدو ستتعقبهم فهيئوا مائة بعير سريع لنقل پري خانم ومرافقيها بأقصى سرعة ممكنة إلى خارج منطقة الخطر . وصمدت مدينة ماردين وبعض المدن الأخرى بوجه الهجمات العثمانية بعض الوقت بعد مقتل قره خان ، إلا أنها استسلمت آخر الأمر وبذلك انتهت سيطرة الإيرانيين على ولاية ديار بكر نهائيا - والمدن التي استطاع العثمانيون الاستيلاء عليها في زمن السلطان سليم في ولاية ديار بكر هي ماردين وحصين وكيعا والموصل وعانة وحديثة وهيت وسنجار وجمشپزك وقلعة العمادية وحصن سوران وقلاع مهمة أخرى . الشاه إسماعيل بعد معركة جالدران تركت معركة [ الدران ] جالدران وهزيمة جيش القزلباش فيها آثارا كبيرة في حياة الشاه إسماعيل ، إذ لم يسبق له أن هزم في معركة قبلها حتى أن عموم الناس كانوا يعتقدون أنه لا يهزم مطلقا بل إن بعض القزلباش كان يعتقد أنه شبيه المهدي الموعود أو يرى فيه ممثلا عن المهدي لأن كونه المهدي لا يتوافق مع المذهب الجعفري الذي يقول بأنه ابن الإمام الحادي عشر . ومهما يكن الأمر فقد أدرك الشاه ورجاله أن المدافع والأسلحة النارية الأخرى قد خلقت وضعا جديدا في عالم الحروب ، فلم تعد قوة عضلات المحاربين ومهارتهم في القتال كافيتين لاحراز النصر . وكذلك فان معركة جالدران قد أثبتت ضرورة تقديم السياسة وحسن التدبير على السيف ، فلو كان الشاه ورجال حاشيته قد أصغوا لرأي القائد المحنك خان محمد استاجلو حينما اقترح اللجوء على شن هجمات مباغتة على القوات العثمانية خلال مسيرتها ، لأحرزوا نتائج ايجابية عظيمة ولو كانوا قد قطعوا خطوط التموين من الخلف على هذه القوات الجرارة لوجهوا إليها ضربة قاصمة ، كما حدث ذلك حينما لجا الشاه طهماسب بن الشاه إسماعيل إلى هذه الخطة مع السلطان سليمان . وليس ثمة شبهة أنه طالما كان هناك جيشان أحدهما قوي ويملك أسلحة متطورة والآخر ضعيف ولا يملك أسلحة خصمه فعلى الثاني أن يلجا إلى أسلوب الكر والفر . ومن الواضح أن السلطان سليم أدرك أنه إذا شن هجوما آخر على إيران فان الشاه إسماعيل سليجا إلى هذا الأسلوب في قتال القوات العثمانية التي لا طاقة له بمواجهتها ، ولذلك ظل يتردد في شن [ هجمومه ] هجومه بين عام 921 وعام 926 حتى وافته المنية . وقد ظل الشاه إسماعيل بين عام 920 وعام 926 همرابطا على الدوام في الحدود الغربية والشمالية الغربية لإيران واستدعى القوات الإيرانية من مختلف المدن والولايات وأبقاها في حالة تاهب مستمر بالقرب من الحدود العثمانية وعين قادة بارزين في قيادة قوات القزلباش فكلف حاكم بلخ السابق ديو سلطان بقيادة العمليات في حدود [ پرجستان ] گرجستان وأمر السلطان جاپان بالمرابطة في شمال الموصل وحدود نصيبين للدفاع عن العراق في حال وقوع هجوم مفاجئ . وقد استمر العثمانيون ببث الإشاعات المغرضة في الأراضي الإيرانية ولم ينقطع الجواسيس عن حمل رسائل السلطان سليم إلى بعض حكام الأقاليم الإيرانية فكان لهذه الإشاعات وهذه الرسائل دور كبير في إحداث الاضطرابات الداخلية في بعض المناطق الإيرانية وفي بعض الأحيان تمرد الحكام على الحكم الصفوي كما حدث في مازندران حيث نقض ملوك مازندران عهودهم ورفضوا دفع الضرائب . وانتدب الشاه إسماعيل دورميش خان لاصلاح الأمور الداخلية والقضاء على المتمردين وإقرار الأمن العام الذي تزعزع إلى حد ما . ودورميش خان هو الشخص الذي عارض اقتراح خان محمد استاجلو في شن الهجمات المباغتة على القوات العثمانية أثناء حركتها ، وهو ابن عبدي بك الذي يعد من خلفاء الصوفية والمقربين للخانقاه الصفوي . وكان دورميش مقاربا للشاه إسماعيل في العمر ويرتبط معه بعلاقة قديمة ثم تتوجت هذه العلاقة بمصاهرته للعائلة الصفوية . إلا أن مكانته بين القزلباش تردت كثيرا بعد معركة جالدران لاتهامهم إياه بإدمان الخمرة والاعتراض على اقتراح خان محمد وهو في حالة سكر ، ومع ذلك كان الشاه يوليه الرعاية والمودة ويوكل إليه الكثير من أمور الدولة عدا الأمور التي تتعلق بالحدود العثمانية فلم يشركه فيها . وفي الوقت الذي كان فيه السلطان ينقل قواته باستمرار من مكان لآخر ويهدد بها الحدود الإيرانية كان الشاه لا يهدأ ليله ولا نهاره وينتقل بين الولايات الحدودية صيفا وشتاء حسب ما يفرضه عليه الجو ، فتارة يرحل إلى الموصل وتارة إلى أردبيل وأخرى إلى وان وحدود [ تبليس ] تفليس أو في نخجوان وايروان وقارص وأردهان . ولم يكن الشاه طوال السنوات الست التي كان يراقب خلالها تحركات العثمانيين غافلا عن الاصلاحات التجارية والصناعية ، فقد أشرف شخصيا على تأسيس وإكمال العديد من مصانع الجلود والحرير والسجاد والورق وغيرها في أصفهان وهمذان ورشت وبعض المدن المركزية ، وكان بعض هذه المصانع ملكا للدولة بينما كان البعض الآخر ملكا خاصا وبعبارة أخرى ممولا من قبل الشاه أو مشتركا بين الشاه وعدد من التجار . وقد وقعت في إيران بعض الأحداث المهمة بين عام 920 وعام 926 ، نستعرض عددا منها فيما يلي : الصلح مع ملك شيروان : - أشرنا آنفا إلى أن رسائل السلطان سليم ودعاته الذين كان يبعث بهم إلى الأراضي الإيرانية لنشر الإشاعات والتحريض ضد الحكم الصفوي أتت ثمارها إلى