حسن الأمين
65
مستدركات أعيان الشيعة
كبيرا من بدنه ولم تجد معها أدوية الأطباء الماهرين وعلاجهم وأخيرا بعد أن أمضى واحدا وخمسين يوما طريح الفراش فارق الحياة في سحر الاثنين الموافق للتاسع من شوال عام 926 . ( إلى هنا انتهت تقارير الصحيفة الرسمية ) . ويجدر بنا بعد ما أوردنا أقوال العثمانيين فيما يتعلق بمعركة جالدران وما سبقها وما تلاها أن نلقي نظرة على أحوال الملك الصفوي وجيش القزلباش ومعنوياتهم خلال المعركة . فقد كان الشاه إسماعيل حين وقوع المعركة لا يتجاوز الثامنة والعشرين من العمر وله خبرة طويلة في الحروب والفتوحات حيث بدأ نشاطاته العسكرية في سن الثالثة عشرة وكان المنتصر والفاتح في حروبه جميعا ، ولم تكن مكانته في النفوس تشبه مكانة الملوك في نفوس جنودهم ورعاياهم إنما كان يمثل بالنسبة لأتباعه المرشد الأكبر للطريقة الصوفية القويمة وقد كان هؤلاء الأتباع يبالغون في نظرتهم إليه بحيث يذكر أكثر المؤرخين أنه لو انتصر في معرجة جالدران لعدوه إمام الزمان والمهدي الموعود . وقد كان الشاه إسماعيل في أواخر ربيع عام 920 هفي همدان ينوي قضاء الصيف هناك ، وفي أثناء ذلك قدم إليه رسول السلطان سليم يحمل رسالة منه يعلن فيها الحرب فقام الملك بتكريمه والإنعام عليه ثم أجازه في العودة إلى بلاده على عكس ما كان يقوم به السلطان سليم من حبس لسفراء الشاه إسماعيل وتعذيبهم وقتلهم في بعض الأحيان . بادر الشاه إسماعيل فور وصول الرسالة إلى إرسال الرسائل السريعة إلى خان محمد استاجلو في ديار بكر يطلب منه متابعة تحركات قوات السلطان سليم وإبلاغه بالمعلومات أولا بأول وإذا تيقن بان السلطان ينوي الهجوم على إيران فعليه القيام بتجهيز قلاع آمد وكماخ وبعض القلاع الأخرى بالقوات الكافية ثم التوجه إلى آذربايجان بقوات مجهزة تجهيزا كافيا ، أما في حال انشغال السلطان سليم بفتح قلاع ومدن ديار بكر فان ذلك دليل على انصرافه عن مهاجمة إيران واكتفائه بديار بكر ومن ثم طلب الملك من محمد استاجلو في هذه الحال أن يمكث بقواته في ولايته ويوافيه بالتطورات ليبعث له بالمدد . وراقب خان محمد استاجلو تحركات الجيش العثماني الجرار فأدرك أنه عازم على مهاجمة إيران ، حيث كان يجتاز القلاع الإيرانية الحصينة دون حرب أو تماهل وسر محمد استاجلو لهذا الأمر حيث كان يعلم أن جيشا جرارا بمثل هذا العدد سيواجه صعوبات جمة أثناء عبوره في أراضي وقرى جردت من المؤن وتحولت إلى خرائب لا تنفع في شيء ، إضافة إلى قدرته على شن الحملات المباغتة على هذا الجيش أثناء الليل وأطراف النهار فيكبده خسائر كبيرة . وكانت قوات القزلباش قد أخلت المناطق المسكونة من سكانها من بداية الحدود الإيرانية حتى حدود ولاية خوي وأخلت الأراضي الواقعة على امتداد الطريق بعرض عدة فراسخ من السكان ودمرت جميع خيراتها بحيث لا يمكن الاستفادة منها في شيء . ويذكر صاحب كتاب « أحسن التواريخ » أن خان محمد استاجلو التحق بالشاه إسماعيل واقترح عليه مهاجمة الجيوش العثمانية الجرارة أثناء الطريق لأنها لن تكون مستعدة للقتال حينئذ ، وبذلك لا يتسنى لها الاستفادة من مدافعها العديدة ولا من حملة البنادق الاثني عشر ألف كما ينبغي ولكن الشاه إسماعيل رفض أخذ العدو على حين غرة قائلا بأنه ليس لصا ولا قاطع طريق ليفاجئ العدو بالهجوم ويلوث تاريخه بذلك . وفي صبيحة الأربعاء الموافق للأول من رجب وصلت القوات العثمانية صحراء جالدران ، وفي جانب من تلك الصحراء نصب فسطاط السلطان سليم على أحد التلال وعسكرت قوات القلب حول الفسطاط ، واتخذت قوات اليني جري بمدفعيتها مواضعها في القلب ، وربطت المدافع إلى بعضها لتكون سورا حصينا يحيط بالقوات ووقف حملة البنادق الاثني عشر ألفا إزاء الفسطاط السلطاني ليكونوا رهن إشارة السلطان يوجههم حيثما يشاء حالما تقتضي الضرورة واتخذت قوات الجناح الأيمن مواضعها تحت قيادة القائد سنان باشا بينما كان القائد حسن باشا قائدا لقوات الجناح الأيسر . وانقسمت القوات الإيرانية - حسب المؤرخين العثمانيين - إلى قسمين ، قاد أحدهما الشاه إسماعيل وقاد الآخر خان محمد استاجلو بينما يذكر المؤرخون الإيرانيون أن القوات الإيرانية انقسمت إلى قلب وجناحين كان محمد استاجلو على الجناح الأيمن ودورميش خان على الجناح الأيسر بينما أخذ الشاه على عاتقه قيادة القلب ، ولكن صاحب ( أحسن التواريخ ) يذكر بان الوزير نظام الدين عبد الباقي والسيد محمد كمونة ومير شريف الدين علي كانوا في القلب تحت إشراف وتوجيه الشاه إسماعيل . ويذكر العثمانيون أن الشاه إسماعيل شن في بداية الأمر [ هجموما ] هجوما على قلب القوات العثمانية بنخبة من قواته ولكن المدفعية قتلت خيول المهاجمين فاضطروا إلى مهاجمة الجناح الأيسر ودارت هناك معركة طاحنة . ومن جانب آخر يذكر العثمانيون أن محمد استاجلو هاجم جناح سنان باشا فهزمه الأخير وتمكن أحد الجنود من قطع رأسه ، ولكن الجناح الأيسر العثماني فقد قائده حسن باشا فاختل النظام فيه وأبلغ السلطان بالأمر فامده بنصف مدفعيته الموجودة في القلب ومجموعة من حرسه الخاص وتضيف المصادر العثمانية أن الشاه إسماعيل فر من أرض المعركة مع حلول الغروب وتعقبه العثمانيون إلى مسافة محدودة ثم عادوا أدراجهم .