حسن الأمين
66
مستدركات أعيان الشيعة
ومن الطبيعي أن المصادر العثمانية بالغت كثيرا في نقلها ولفقت الكثير من الأمور غير الصحيحة ، ومن ذلك ما نقوله عن مقتل خان محمد استاجلو ، والحقيقة أنه رأى الجناح الأيسر العثماني يختل نظامه ثم يهرب مقاتلوه بعد مقتل قائدهم حسن باشا فحاول اغتنام الفرصة والاقتداء بالشاه إسماعيل في مهاجمته للقلب ، ولكنه ما كاد يدخل مدى المدفعية حتى أطلقت عليه حمم نارها فقطعته إربا . وأما الشاه إسماعيل فقد حمل على القلب فواجهته المدفعية بقصف شديد مركز فسقط العديد من جنوده ومنهم حسين بيك وعدد من المقربين إليه ولكن سقوطهم لم يثنه عن مواصلة الزحف فاستطاع الوصول إلى المدافع وقطع أحزمتها وسلاسلها التي تشدها إلى بعض ثم ضرب سبطانة المدفع الأول فأحدث فيها من الجانبين شرخا مقداره أربعة أصابع ( والجدير بالذكر أن هذا المدفع ظل محفوظا في روسيا حتى أوائل الثورة الروسية ) ثم أهلك عددا من رجال المدفعية اليني جري . وقام قائد الجناح الأيمن العثماني سنان باشا بضم بعض حملة البنادق إلى قواته ثم هاجم القلب وأطلق رماته نارهم بكثافة فأصيب جميع من كان في الصف الأول ومن بينهم الوزير نظام الدين عبد الباقي ومير شريف والسيد محمد كمونة وخلفا بيك وصاروپيره قورجي باشا وفي أثناء ذلك كان جيش شيراز يقف منفصلا تحت قيادة والي شيراز خليل ذو القدر ، وكان هذا يلاحظ اضطراب صفوف القلب وشدة الضغط عليه فلا يقدم على شيء رغم أنه بامكانه الالتفاف حول العثمانيين وتوجيه ضربة قاسمة لهم ، وشاهد في غمرة المعركة جموده السلطان خليل فبعث إليه من يأمره بالهجوم ولكنه ظل في جموده . وأما قوات خان محمد استاجلو فقد تولى قيادتها أخوه فروخان وراح يتقدم بها أمام الجناح الأيسر المتقهقر حتى أوغلت في تقدمها ولم يبق مع الشاه حين شارفت الشمس على المغيب إلا عدد من أفواج الجناح الأيسر والقلب . وآذنت الشمس بالمغيب فعزم الشاه على إعادة النظر في قواته فأمر بإطلاق الصوت الخاص بالخانقاه الصفوي وكان من عادة أتباع هذا الخانقاه أنهم يلبون النداء حيثما كانوا فور سماعهم له ، ولكن لم يستجب له هذه المرة إلا ثلاثمائة مقاتل وأما البقية الباقية فلم تستطع الخروج من طوق القوات العثمانية . وأخيرا أخذ بعض ذوي الرأي والحكمة والتجربة بزمام جواد الشاه إسماعيل متوسلين به أن يخرج عن أرض المعركة مؤكدين عليه أن بقاءه سيضمن بقاء إيران وموته سيلحق بها هزيمة منكرة ، وما زالوا به حتى أقنعوه وكما تذكر المصادر العثمانية فقد خرج من ساحة القتال بعد غروب الشمس ، وتنبه بعض العثمانيين لخروجه فعزموا على تعقبه ولكن السلطان سليم أبى عليهم ذلك لأنه كان يحسب الأمر خدعة أراد القزلباش بها الإيقاع بالقوات العثمانية . وبادر جيش شيراز إلى الانسحاب فور رؤيته انسحاب الشاه إسماعيل بعد أن ظل بعيدا عن خضم المعارك . وينقل الرواة أن جواد الشاه إسماعيل دخل مستنقعا فلم يقو على الخروج منه وبذل جماعة من القزلباش جهدا كبيرا لإخراجه وفي ذلك دليل على عدم تعقب العثمانيين للشاه في انسحابه . ومكث السلطان بعد انسحاب القزلباش يتردد في حيرته بعض الوقت ، حتى عادت أفواج القزلباش التي كانت تتعقب فلول الجناح الأيسر العثماني معتقدة أن قواتهم أحرزت النصر ، ولكنها فوجئت بانتظام صفوف العثمانيين فلم ير القزلباش جدوى من الدخول في المعركة مرة أخرى ولذلك بذلوا أقصى جهدهم لفتح ثغرة في صفوف العدو ثم أسرعوا في الابتعاد عن ساحة القتال وحينئذ تيقن السلطان سليم من عدم وجود خطة أو مكيدة في الأمر وإلا لما غادر الشاه بمن بقي معه دون أن يبلغ مقاتلي الجناح الأيمن بانسحابه ومن ثم أصدر أوامره بنهب معسكر القزلباش ، ولم يكن فيه شيء ذو بال ، ومما يجدر ذكره هنا أن بعض رجال البلاط العثماني أرادوا استرضاء سلطانهم فحملوا إليه امرأة كانت المرأة الوحيدة التي وجدوها في المعسكر وزعموا أنها زوجة الشاه إسماعيل زورا وبهتانا . وحين اطمان السلطان سليم إلى حقيقة الأمر أمر بضرب أعناق جميع الأسرى الإيرانيين وكذلك زعماء القزلباش الذين قدموا إليه في الأيام الأخيرة لطلب الأمان منه . ودخل السلطان مدينة تبريز فمكث فيها أسبوعا ، راسل خلاله حكام لرستان وكردستان و [ پيلان ] گيلان ومازندران وغيرهم وطلب منهم السعي للإطاحة بحكم الصفويين . وكما ذكرنا سابقا أن السلطان سليم ذهب إلى المسجد الجامع في تبريز الموسوم بمسجد السلطان حسن لأداء صلاة الجمعة وخطب الخطيب ذاكرا الرسول والخلفاء الأربعة ثم بدأ بذكر - كعادته - الألقاب المتعارف عليها آنذاك مثل سلطان البرين وخاقان البحرين وغيرها وذكر بعدها اسم الشاه إسماعيل المظفر بدلا من أن يقول السلطان سليم فهم جماعة من قادة الجيش العثماني بقتله فنهاهم السلطان عن قتله قائلا : إنما هي عادة اعتادها لسانه فاتركوه . وأخذ السلطان يستشير أصحابه طوال إقامته في آذربايجان حول البقاء فيها ، وكانت حصيلة الآراء غير مشجعة على البقاء ، لاحتمال أن يقوم الشاه إسماعيل بجمع قوات القزلباش ويحاصر بها ولاية تبريز ويقطع وصول المؤن عنها . وفي هذه الحال لن يكون مصير أربعمائة ألف مقاتل سوى الفناء والهلاك واقترح البعض أن يسمح السلطان بإعادة الجزء الأكبر من القوات إلى الأراضي العثمانية ويبقى معه مائة ألف مقاتل في تبريز . ولكن السلطان لم