حسن الأمين

46

مستدركات أعيان الشيعة

وبعد إحرازه لهذا الانتصار عين الشاه أحد أمراء القزلباش حاكما على الحويزة ، ثم توجه إلى دزفول فأسرع حاكمها إليه بمفاتيح القلعة ، فشمله الشاه بعنايته ثم توجه إلى شوشتر وكان حاكمها يعتزم المقاومة ، فأقام في قلعة السلاسل وهي قلعة حصينة ولكنه ما إن رأى جحافل القزلباش تزحف نحو قلعته حتى أدرك عظم الخطر المحدق به ، فبادر إلى حمل الهدايا والتحف المناسبة لمعسكر القزلباش فقدمها مرفقة بمفاتيح شوشتر . وفي الوقت الذي كانت قوات القزلباش تعسكر بالقرب من شوشتر ، أمر الشاه إسماعيل باستدعاء الأمير نجم الدين وإناطة أمر لرستان بلله بيك وبيرام بيك . فشدد هذان الأميران من ضغوطهما على حاكم لرستان الملك رستم فهرب من مركزه إلى رؤوس الجبال الشاهقة فاعتصم بها ، واستولى أميرا القزلباش على جميع أملاكه ، فلم ير بدا من استدرار عطف الشاه إسماعيل والإقلاع عن التمرد والعصيان ، فبعث إلى الأميرين بممثلين عنه لأخذ عهد منهما بعدم إلحاق الأذى به في حال استسلامه وحمله إلى معسكر الشاه معززا مكرما . وكان الملك رستم شيعيا منذ زمن طويل والمشهور عن عائلته أنها ترجع في نسبها إلى العباس بن علي أبي طالب ( ع ) . فقبل بيك وبيرام بيك طلبه وحملاه معززا إلى معسكر الملك . وما إن وصل إلى حضرته حتى أخذ ينشد أشعارا باللغة اللرية العذبة ، فنال استحسان الشاه واستدر عطفه ، فأمر بتزيين لحيته بأنواع الجواهر واللآلي والياقوت والألماس وتزيين وجهه بما كان يفعله ملوك إيران القدماء . ومكث الملك رستم على تلك الحال في معسكر القزلباش يشتغل في الخدمات الخاصة للشاه حتى أصبح من أصحابه المقربين ، ثم أنعم عليه فاعاده حاكما على لرستان . وعائلة الملك رستم المسماة بالعائلة العباسية هي إحدى العوائل المعروفة في إيران ، وقد حكمت لرستان منذ زمن الدولة العباسية فاحتلت موقعا ساميا في نفوس جميع القبائل اللرية حتى تحولت إلى مريدين لهذه العائلة . وعلى الرغم من اتباع هذه العائلة للمذهب الشيعي ، مثل سائر القبائل اللرية فإنها كانت ترتبط بالدولة العثمانية بروابط ودية ، وكانت ترى في هذه الازدواجية نوعا من حسن التدبير والسياسة . نفوذ البرتغاليين في الخليج في الوقت الذي انتظمت فيه أمور خوزستان واستقرت الأوضاع في لرستان بلغت الشاه الصفوي أنباء تفيد بان بعض الإفرنج البرتغاليين قد دخلوا حدود الخليج الفارسي بسفنهم وعقدوا اتفاقا مع حاكم ( هرمز ) وأخضعوا ( لار ) وجزيرة هرمز لنفوذهم . ولم يكن الشاه إسماعيل قادرا آنذاك على السيطرة على الأوضاع في ساحل البحر ، حيث كانت أجزاء كبيرة من إيران وهي المحافظات الشرقية لا تزال عرضة لهجمات الأوزبك المتكررة ، وإضافة إلى ذلك كانت الدولة الصفوية لا تزال فتية ، لا تجد فرصة سانحة لتشكيل قوات بحرية ومن ثم رأى أهل الحل والعقد في الدولة الصفوية أن المصلحة تقتضي عدم الاعتراض على معاهدة ملك هرمز مع البرتغاليين والاكتفاء بمطالبة ملوك هرمز وسواحل لار بالضرائب والخراج السنوي ، وسلوك المداهنة والمداراة مع الجميع في هذه المناطق . وهكذا غادر الشاه إسماعيل خوزستان وتوجه إلى فارس ونشط هناك للصيد في قصبة ( داراب ) . وكان قد بعث أحد أمرائه ويدعى أخي بيك إلى هرمز ولار قبل مغادرته لشوشتر لزيارة ملك هرمز والأمير علاء الملك الحاكم العام لهرمز ولارستان ولمطالبتهما بالخضوع والانقياد لسلطان ملك إيران . وعاد السفير من زيارته في الوقت الذي كان الشاه إسماعيل لا يزال مشتغلا بالصيد والترويح عن النفس ، فقدم إليه أنواع الهدايا الثمينة ومبالغ طائلة من الضرائب والخراج حملها معه من هرمز ولار . وكانت أحداث هرمز والتطورات السياسية فيها تحظى آنذاك بأهمية قصوى فقد كانت المرة الأولى التي تتصادم فيها مصالح دولة أوروبية مستعمرة مع مصالح الإمبراطورية الإيرانية . وقد بدأت هذه التطورات منذ أواخر القرن الخامس عشر الميلادي حين أخذت أسعار التوابل التي كانت تحمل إلى أوروبا من جزر المحيط الهندي تتصاعد بصورة مستمرة فبدأت أكثر الدول الأوروبية تسعى لاكتشاف الطرق التي يمكن بها الحصول على التوابل باسعار منخفضة لتباع في أوروبا باسعار مرتفعة . وكان ملك البرتغال دومزوا الثاني أحد الناشطين لهذا السعي ، حيث أرسل العديد من بعثات الاستكشاف التي كان هدفها الرئيس البحث عن البلدان التي تتواجد فيها التوابل . وبمناسبة ذكر التوابل وندرة الحصول عليها وارتفاع أسعارها في أوروبا ، تجدر الإشارة إلى أن تجارة الشرق مع أوروبا كانت قبل القرن الخامس عشر بيد أهالي ولاية جنوى وهي ميناء يقع في غرب إيطاليا على سواحل البحر المتوسط ثم أخذت جمهورية البندقية ( وهي في الوقت الحاضر ميناء إيطالي أيضا ، كانت مستقلة في تلك العصور ) زمام التجارة بيدها ، فأصبحت لها تجارة واسعة مع الشرق ، ولكنها فقدت قاعدتها الأساسية للتجارة مع الشرق باحتلال الأتراك العثمانيين لمدينة القسطنطينية وبدأت كبرى الطرق المؤدية إلى الهند تنقطع تباعا وأصبح الوصول إلى الهند عن طريق البر أمرا متعذرا حتى بالنسبة للعثمانيين ، حيث كانوا في أغلب الأوقات في صراع وخلاف مع إيران . ولم يبق سوى البحر الأحمر