حسن الأمين
37
مستدركات أعيان الشيعة
أرض المعركة حسما لها حيث قتل ملك شيروان وعدد من وزرائه وكبار قادته وأركان ديوانه ، ولاذ الباقون بالفرار ، ورفرفت راية الصوفيين في ساحة الحرب عالية خفاقة . . . وأخذ زعماء الولايات المجاورة يتوافدون على الشاه إسماعيل بعد سماعهم خبر انتصاره الكبير . ومكث الشاه في أرض المعركة ثلاثة أيام غادرها في اليوم الرابع متوجها إلى شماخي . وفي شماخي ، عاصمة شيروان بلغ شيخ الصوفية ( الشاه إسماعيل ) أن ابن ملك شيروان الشيخ إبراهيم الذي أفلح في الهرب من ساحة المعركة قد خرج في ( شهر نو ) الواقعة على ساحل بحر الخزر في جماعة من أنصاره عازما على الاستمرار في المقاومة . فوجه الملك إليه بخادم بيك ليتعقب أثره ، وما أن بلغ الشيخ إبراهيم الخبر حتى بادر إلى ترك ( شهر نو ) وأبحر بسفينة إلى ولاية [ پيلان ] گيلان . ودخل خادم بيك ( شهر نو ) بعد مغادرة الشيخ إبراهيم لها ، فاستقبله أهلها وأعلنوا عن طاعتهم له . وفي اليوم التالي دخلها الشاه إسماعيل وتوج زعماءها بتيجان القزلباش وخلع عليهم خلعا فاخرة وعين خادم بيك حاكما على ( شهر نو ) ثم غادرها إلى محمودآباد . وفي محمودآباد بلغه أن أهالي قلعة ( بادكوبة ) - التي كانت في الحقيقة مستودعا لخزائن وأموال الشيخ إبراهيم الملقب بالشيخ شاه - رفضوا استقبال رسله وغلقوا الأبواب دونهم ووقفوا على أهبة الاستعداد للمقاومة . فوجه إليهم بخان محمد استاجلو والياس بيك في فوج من قوات القزلباش لاحتلال قلعتهم . وكانت قلعة بادكوبة غاية في المنعة والاستحكام ، يحيط بها بحر قزوين من ثلاث جهات ويحدها خندق منيع من جهتها الرابعة ، فحاصرها القزلباش ووقعت مناوشات بين الطرفين واستمر الحصار طويلا دون أن تفتح . فامضى الشاه إسماعيل الشتاء في محمودآباد ومع دنو فصل الربيع توجه بقواته إلى ( بادكوبة ) وأخذ يتفحص أطرافها بنفسه ثم عين جماعة لنقب الجدار وجماعة أخرى لمشاغلة المدافعين عن القلعة برميهم بالسهام . ثم أخذ حجرا وألقى به في الخندق والتفت إلى القزلباش فأمرهم بإلقاء ما أمكنهم من حجر في تلك النقطة . وانصاع الصوفيون لأوامر مرشدهم فأخذوا يلقون بالأحجار حتى طمروا بها تلك النقطة من الخندق وأصبح تلا عاليا يشرف على السور وأهله . وما إن شاهد أهالي القلعة قوات القزلباش تشرف عليهم حتى أخذوا يتوسلون ويتضرعون ، طالبين الصفح والأمان ولم يكن الشاه إسماعيل يبغي شيئا سوى استسلامهم فمنحهم الأمان وكرم زعماءهم . ودخل خادم بيك القلعة وحمل إلى معسكر مرشده ما وجده فيها من كنوز ذهب وفضة وجواهر ، فأمر مرشد الصوفية بتوزيعها بالتساوي على أفراد العسكر ولم يختص نفسه منها بشيء ، بل لم يأخذ حتى خمسه الشرعي إذ أمر بإنفاقه على المبرات الخيرية التي أوصى بها . وتم الاستيلاء على جميع أراضي شيروان بسقوط قلعة بادكوبة باستثناء قلعة [ پلستان ] گلستان فحاول الملك إسماعيل فتحها ثم انصرف عنها بعد أن وعده أهلها بالدخول في طاعته في حال احتلاله لتبريز مركز آذربايجان . وتحرك باتجاه قره داغ فبلغه في أثناء الطريق أن الملك الوند ميرزا قد قدم من تبريز إلى نخجوان على رأس جيش جرار وبعث أحد قادته المدعو محمد قراجه داغ إلى [ پنجه ] گنجه للتوجه منها إلى شيروان وأرسل قائدا آخر وهو حسن بيك شكر اوغلي لدخول شيروان عن طريق نهر « پرمارود گرما رود » . واستدعى الشاه إسماعيل قادته لاستشارتهم فأشاروا عليه بالتصدي لقوات الوند ميرزا قبل أن يستفحل الأمر ويتحد أعداء الصوفية بوجههم . الحرب من أجل العرش والتاج كان السلطان العثماني يدعم دولة عائلة الآق قويونلو ويرغب في استمرارها . فكان يلح على الوند ميرزا أن يتصالح مع إخوانه وأبناء عمومته ويحثهم جميعا للوقوف بوجه الفاتح الجديد الشاه إسماعيل . وكان الوند ميرزا عازما على خوض غمار الحرب مع مراد ميرزا ، فبعث السلطان العثماني بأحد مشايخ الصوفية ويدعى بابا خير الله للتوسط بينهما فتصالحا على أن تكون ديار بكر وأران وآذربايجان حتى نهر قزلأوزن من حصة الوند ميرزا بينما تكون حصة السلطان مراد الضفة الثانية لأوزن وعراق العجم ( 1 ) وفارس وكرمان . ومن جانب آخر وعد السلطان العثماني بدفع حاكم ديار بكر قاسم بيك البايندري للدخول في طاعة الوند ميرزا . ولم يكن الوند ميرزا يأمن مكر أمراء البايندرية وشرهم في حال اصطحابهم معه لمواجهة القوات الصفوية ، فعزم على السير إليها بمفرده ومن ثم استدعى جميع أفراد قبيلة الآق قويونلو الموجودة في أراضي آذربايجان وأران وجهز منهم جيشا كبيرا ثم
--> ( 1 ) عراق العجم ، أو العراق العجمي : اسم أطلقه السلاجقة على ما كان يعرف في عهد البويهيين باسم ( بلاد الجبل ) وأهم مدنه : كرمنشاه ( قرميسين ) والري همذان وأصفهان .