حسن الأمين

33

مستدركات أعيان الشيعة

وتذكر التواريخ العثمانية أن الميرزا رستم بعث إلى رشت بوفد لمطالبة الأمير إسحاق بتسليم أبناء السلطان حيدر ، فأنكر الوالي وجودهم في الوقت الذي كانوا موجودين في ولايته . وعاد الوفد بخفي حنين فبعث الميرزا رستم ثانية بوفد إلى رشت يتشكل هذه المرة من قضاة تبريز ومفتيها بالإضافة إلى أعضاء الوفد الأول وطلب من الأمير إسحاق أن يسلم أبناء الشيخ حيدر وإن أنكر وجودهم فليقسم بحضور العلماء والقضاة على عدم وجودهم في ولايته وإلا فلينتظر هجوم جيش آلاق قويونلو والقضاء على ملكه . ودبر الأمير إسحاق وأرباب الرأي من حاشيته أمرا للتخلص من هذه الورطة ، فوضعوا أبناء الشيخ في سلال وعلقوها في أشجار الغابة حيث لا يراها أحد ، ثم أقسم الأمير بحضور العلماء والقضاة أن لا وجود لأبناء السلطان ولا سكن لهم على أي بقعة من أرض ولايته . وبعد انقضاء فترة من الزمن غادر الميرزا إسماعيل مدينة رشت متوجها إلى حدود ( لشته نشا ) فدخل لاهيجان وكان عليها كاركيا ميرزا علي وهو من أحفاد الإمام الحسن المجتبى ( ع ) فاستقبل الميرزا إسماعيل بالترحيب وعامله بالتكريم والاحترام . وطالت الإقامة بالميرزا إسماعيل في لاهيجان وكان خلفاء الصوفية وأعيانها عاكفين على تربيته وتعليمه ، وقرروا منع تزاحم قوافل مريدي الصفوية على شيخهم فحددوا عدد الزائرين بثمانية عشر شخصا فإذا عاد هذا العدد إلى نهر [ كرپان ] گرگان سمح لمثلهم بالدخول إلى لاهيجان وزيارة شيخ الصوفية فيها ، وأرادوا بتنظيمهم هذا الحيلولة دون إزعاج أولي الأمر في لاهيجان وقطع الطريق على الحساد فيها لئلا تسوء العلاقة الودية التي تربط الميرزا إسماعيل بكاركيا ميرزا علي . وكانت ولادة الميرزا إسماعيل في 25 رجب سنة 892 ه‍ . وقد برزت عليه آثار الذكاء والفهم والفراسة منذ نعومة أظفاره وتوسم شيوخ الخانقاه الصفوي فيه الخير ، وكان عموم أتباع الخانقاه ومريديه يرون عزتهم وقوة شوكتهم بوجوده ومن ثم كانوا يسمونه - وهو إذ ذاك صبي لم يبلغ الحلم بحضرة الملك إسماعيل ابن الشيخ أو الشيخ الملك ، ويرون فيه بكل صدق وإخلاص المرشد الكامل لفرقتهم . ويذكر صاحب ( تاريخ جهان آرا ) أنه في بداية قدوم أبناء الشيخ حيدر إلى لاهيجان توالت وفود الملك رستم على [ پيلان ] گيلان مطالبة باستعادتهم ، وفي كل مرة كان كاركيا ميرزا علي يعتذر باعذار حكيمة فتعود الوفود خالية الوفاض . واشتغل في لاهيجان مولانا شمس الدين اللاهيجي بتعليم أبناء الشيخ حيدر قراءة القرآن الكريم ومقدمات اللغة العربية ، بينما درسهم نجم [ الپيلاني ] الگيلاني - الذي لقب فيما بعد بالأمير نجم وشغل منصب الوزارة في عهد الشاه إسماعيل - مقدمات الرياضيات وعلم النجوم والحكمة . استمرت إقامة إسماعيل في [ پيلان ] گيلان ست سنوات ونصف ، وأمضى أكثر أوقاته في السنتين الأخيرتين منها في الصيد الذي كان يعد نوعا من السياحة والسفر . وفي عام 906 هوقعت الحرب بين الميرزا مراد ابن الملك يعقوب والميرزا الوند بن الميرزا يعقوب بن الملك حسن وانتهت بتقسيم العراق والولايات الغربية من إيران بينهما . ولم يطق الميرزا إسماعيل الاستمرار في عزلته وأخذ يفكر بالشروع في فتوحاته ، وكان معتادا على استشارة كاركيا ميرزا علي وأخيه كاركيا ميرزا حسن ومداولة الأمور فيما بينهم . فطرح عليهما ما يدور في ذهنه واستأذن كاركيا ميرزا علي في الخروج إلا أنه وإخوانه وحاشيته لم يرجحوا له فكرة الخروج لصغر سنه وطلبوا إليه أن يصبر بعض الوقت . واستجاب الميرزا إسماعيل لطلبهم ومكث في لاهيجان فترة أخرى ، وذات يوم التقى كاركيا مرة أخرى وساله : هل ترى في شخصي خليفة لخانقاه الشيخ صفي الدين ؟ فأجابه كاركيا : نعم ، فقال له : إني أرى بالإلهام الغيبي أني مكلف بالخروج وقد عزمت على الخروج عزما قاطعا . ولم يحر كاركيا وحاشيته جوابا وأطرقوا برؤسهم وجهزوه بما يلزم لخدمته وسفره ، وترصد أهل النجوم ساعة سعد لخروجه من لاهيجان . وخرج حاكم لاهيجان وجميع أفراد عائلته وأركان دولته مشيعين للميرزا إسماعيل في سفره لعدة فراسخ ومودعينه بالدعاء . بداية الثورة والفتوحات غادر إسماعيل لاهيجان متوجها إلى طارم ومنها إلى خلخال ثم أردبيل ، ولكن حاكم أردبيل سلطان علي اكرلو رفض دخوله إلى أردبيل وطلب منه الانتقال إلى مدينة أخرى ، ولم يكن إسماعيل يمتلك حينها قوة كافية للوقوف بوجه حاكم أردبيل ففضل الانسحاب إلى طالش وأمضى فصل الشتاء في حدود آستارا وتكفل زعماء طالش وقبائلها باستضافته والوقوف على خدمته . ومع حلول الربيع توجه ثانية إلى أردبيل فدخلها وتوجه لزيارة مرقد الشيخ صفي الدين ومزارات آبائه وانصرف هناك إلى الدعاء واستدرار البركات حتى أدرك استجابة دعائه فأسرع لزيارة أمه . ولم تكن إقامته في أردبيل أمرا يسيرا حيث استولى علي بيك اكرلو على هذه الولاية بالقوة وعاضده في ذلك الميرزا محمد طالش ، ولم تكن قوة الصفويين المحدودة قادرة للتصدي لقوات