حسن الأمين

34

مستدركات أعيان الشيعة

العدو ، فاستدعى إسماعيل أعيان الصوفية مثل : عبدي بيك وحسين بيك لله وخادم بيك ودده بيك وغيرهم وأبلغهم بان الإقامة في أردبيل بعيدة عن السداد وسألهم عن الجهة التي يرونها للمسير فأبدى كل منهم رأيه ، وفكر إسماعيل مليا ثم أبلغهم بان الطريق الأنسب هو الهجوم على [ پرجستان ] گرجستان لرفع راية الجهاد هناك ، فباشر الحاضرون بإبلاغ الصوفيين المنتشرين في النواحي القريبة وأكناف العراق وآذربايجان بعزم الشاه إسماعيل . وتعذرت الإقامة في أردبيل على مرشد الصوفية وأتباعه فتوجه إلى قراداغ و ( كوپه دنپيز ) لانتظار قواته هناك . وكان السلطان حسين الباراني قد استولى على هذه الولاية فبعث إلى الشاه إسماعيل بأنه سيدخل في خدمته وطاعته حالما يرفع راياته ويتوجه إليه . والسلطان حسين هو أحد أحفاد جهان شاه قراقويونلو وكان يرى في سلطان آذربايجان حقا شرعيا له ، وكان النفاق والخلاف بين أمراء البايندرية ينخران في هذه السلالة فاغتنم السلطان حسين الفرصة ووطد العزم على حشد المؤيدين والأنصار من حوله وإزالة المعارضين عن طريقه لتتاتى له سبل القوة والمنعة وليتمكن من استرجاع حقه الشرعي السليب . وكان أعيان الصفوية واقفين على نوايا السلطان حسين فرجحوا للشاه إسماعيل الامتناع عن تلبية دعوته والبقاء بعسكره حيث هو . وما إن بلغ السلطان حسين الخبر حتى أقبل بجماعة من رجاله وأظهر آيات الاحترام والتبجيل وأكد للشاه إسماعيل بأنه إذا ما حل ضيفا عليه فسيعود مجد القره قويونلو إلى سابق عهده . ورأى الشاه إسماعيل المصلحة في تلبية الدعوة فتوجه إلى حيث يعسكر السلطان بقواته وطلب بقاء معسكر الصفويين مستقلا ، ليتسنى للقوات التي تتقاطر في حضورها والتحاقها بعسكره اللقاء به وتقديم فروض الطاعة والمراسيم التي تقتضيها الأعراف الصفوية . وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكثرة في القره قويونلو من أتباع المذهب السني . على أن فيهم جمهرة من الشيعة بينما كان الآق قويونلو بصورة عامة من أتباع المذهب الشيعي على عكس ما توهمناه فيما ذكرناه في ترجمة الشاه إسماعيل في مجلد سابق من المستدركات وكان تشيعهم كتشيع قبيلة ذو القدر وقبيلة القرامان . وكانت قبيلة ذو القدر مسيطرة على ديار بكر بينما كان القرامان يسيطرون على بعض الأناضول مثل قونية وغيرها ولكنهم هزموا على أيدي العثمانيين ، ولم يكن القرامان وذو القدر والآق قويونلو متعصبين في تشيعهم ، فمثلا كانوا في تبريز يحتكمون في قضاياهم حسب متطلبات العصر إلى قضاة الحنفية رغم كونهم وملكهم ورجال دولتهم يرون أنفسهم من أتباع المذهب الشيعي . ومع استحكام الأواصر بين أمير الآق قويونلو حسن والسلطان جنيد ، انضم عدد من أقوام الآق قويونلو إلى سلك مريدي الصفوية ، ومن ثم ازداد تمسكهم بالمذهب الشيعي رسوخا . وقد ذكرنا آنفا أن حسن شاه قضى على حكم جهان شاه قراقويونلو ، وأكثر جنود الأمير حسن هم من مريدي العائلة الصفوية ومن ثم فمن المستبعد جدا أن تمد عائلة جهان شاه أواصر المودة والمحبة ، ولذلك كان الشاه إسماعيل وأتباعه من ذوي الفطنة ينظرون إلى دعوة الباراني وتظاهره بالمودة بكثير من الشك والريبة . وعلى أي حال مكث عسكر الصوفيين في جوار عسكر حسين الباراني لبضعة أيام ، أظهر الأخير خلالها آيات المحبة وقدم مستلزمات الضيافة ، ثم اطلع ذوو الحيطة والحذر بان الباراني يحيك مؤامرة في الخفاء تفوح منها رائحة الغدر والخيانة . وزاد هذا الخبر من حذر الصفويين فعزموا على الانفصال عن معسكر مضيفهم والابتعاد عنه بأسرع وقت ، وأخذ أعيان العسكر الصفوي يهيئون الأسباب لذلك ، فاستدعى السلطان بعضهم وقال لهم بان رحيل الشاه إسماعيل مخالف للعقل والمصلحة والأحرى به أن يمد يد الاتحاد لنتمكن معا من القضاء على المعاندين والمعارضين وفرض الاستقرار على أوضاع البلاد ثم أبدى استعداده لعقد أي اتفاق يرتضيه الشاه إسماعيل . وأبلغ الصوفيون السلطان حسين بان شيخهم لن يتمكن من المكث أكثر ، وأدرك السلطان أنهم عازمون على الرحيل فطلب إليهم أن يحضر شيخ الصوفية مادبة يقيمها لتوديعه . وفي اليوم التالي تمارض الشاه إسماعيل وأبقى معه حسين بيك وأرسل بعبدي بيك وخادم بيك وعدد آخر من أعيان الصوفية للاعتذار من السلطان حسين ، وصدق السلطان مرض الشاه إسماعيل . وعند ما خيم الليل أخذ عبدي بيك وخادم بيك وأصحابهما يعدون العدة للرحيل ، فاضيئت مشاعل كثيرة في أنحاء المعسكر وحملت الإبل والبغال ولم يكد ينتصف الليل حتى انطلق الشاه إسماعيل نحو ( نخجوان ) و ( خور سعد ) في ألف وخمسمائة رجل من أصحابه . وحينما رأى السلطان حسين وأتباعه كثرة المشاعل في معسكر الشاه إسماعيل تيقنوا من مرضه وحسبوا أنه لن يقدر على التحرك بعسكره في تلك الليلة ولكن ما إن أشرقت الشمس حتى أسقط في أيديهم وأدركوا أن فريستهم قد أفلحت في الافلات من