حسن الأمين
29
مستدركات أعيان الشيعة
تزلزلت أسسها بسبب حكم المغول وهكذا نرى أن طريقة الشيخ صفي الدين ظلت تحتل مركزا مهما بين سائر الطرق الصوفية فلم تضمحل بوفاة زعيمها كما هو حال أغلب الطرق الصوفية الأخرى على الرغم من كثرة الأعداء والمعاندين . فكان الخانقاه الصوفي بعد وفاة المرشد الأول يأخذ بأسباب الازدهار يوما بعد آخر حتى أصبح محطا الرحال آلاف الزوار الذين يقدمون إليه من أرجاء البلاد ، فكانوا يبلغون من الكثرة بحيث يتطلب تنبيههم إلى وقت الغداء والعشاء ودعوتهم إلى مائدة الطعام بالضرب على الطبول . وكان خانقاه الصوفية في عهد الشيخ صفي الدين وفي عهد ابنه صدر الدين موسى من بعده مطمحا لأنظار زعماء العالم الخارجي . فمثلا عندما هاجم الملك جاني بيك خان ملك سهول القبجاق تبريز وقضى على حكم الملك الأشرف فيها ، أقبل على الشيخ صدر الدين موسى فعامله بكل تبجيل واحترام وقال له : لقد أقبلت معاقبا للملك الأشرف لسوء أدبه تجاه حضرة الشيخ . وفي أواخر عهد الشيخ صفي الدين انتشر العديد من دعاة الصفوية في مختلف الأرجاء فكثر مريدو مشايخ الصفوية في الروم ( 1 ) والهند والشام وفلسطين ومصر . ومن كبار العارفين الذين اتبعوا هذه الطريقة شاه قاسم أنوار والسيد محمد نور بخش والسيد محمد المدني الذي أسس فيما بعد الطريقة الرفاعية التي لا تزال شائعة في كردستان وسوريا . خليفة صفي الدين سافر الشيخ صدر الدين موسى بعد وفاة أبيه إلى الحج وسلك في سفره طريق بغداد وفلسطين ولبنان ليتفقد خانقاهات وخلفاء طريقته وليقوم بتوجيه خلفائه وإرشادهم وبعد فراغه من رحلته عاد إلى أردبيل في موكب عظيم . وبعد وفاة الشيخ صدر الدين موسى آل الأمر إلى نجله الشيخ الخواجة علي . وبعد انقراض سلطة الحكام المغول وظهور الأمير تيمور لنك [ الپورپاني ] الگوركاني ، أخذ هذا يبدي احترامه وتقديره لكبار مشايخ الصوفية لا سيما الخانقاه الصفوي . وحينما عزم الأمير تيمور على السير إلى الروم زار الشيخ الخواجة علي تبركا بمقامه وشخصه ، فأهداه الخواجة سيفا ، قلده له بنفسه . وفي عودته من انتصاره وأسره للسلطان بايزيد عرج الأمير تيمور على أردبيل وحل فيها ضيفا في أيام رمضان على الخانقاه الصفوي ، وبينما هو جالس على مائدة الخانقاه ينتظر طعام الإفطار تنبه إلى امتناع الشيخ عن تناول الطعام والشراب رغم دخول وقت الإفطار ، فأدرك أن في نفس الشيخ حاجة يتردد في طرحها فخاطبه قائلا : إذا كانت ثمة حاجة للشيخ فليبادر إلى ذكرها لتلبى له . فأجابه الشيخ : لقد أمر الأمير الفاتح بتهجير بعض القبائل الكبيرة التي كانت مقيمة لسنين طوال في الروم والشام إلى تركستان ، ونحن نأمل أن يطلق الأمير سراحهم ليدعوا له على كل مائدة من موائدهم . فأجابه الأمير دون تردد : لقد عفونا عن هذه القبائل الأسيرة التي جلبناها من أرض الروم إكراما للخانقاه . وقصة هذه القبائل أنها غادرت تركستان قبل قرون وتوجهت إلى بلاد الشام والروم ربما خوفا من هجوم المغول ، وعند ما دخل الأمير تيمور الشام والروم عرف بوجودهم ، فغضب منهم وقال : لقد تركوا أرض تركستان للخراب رغم أنهم أتراك وقدموا إلى هذه الأراضي ليكونوا قوة إعمار وحرب بيد أعدائنا . ثم أمر بترحيلهم إلى تركستان . وعند ما دخل الأمير أردبيل اغتنم زعماء القبائل الفرصة وتوسلوا بالشيخ الخواجة علي ليتوسط لهم في إطلاق سراحهم . وكان جواب الأمير للشيخ يتضمن إبقاء القبائل المذكورة تحت سلطة الخانقاه الصفوي لكي يدفعوا الضرائب والزكاة الشرعية سنويا إلى الخانقاه أينما كانوا . وفي اليوم التالي حضر جميع زعماء القبائل وأفرادها حتى النساء والأطفال مجلس الشيخ ودخلوا حلقة الدراويش وفقا للتعاليم المقررة . وبعد دخولهم في الصوفية واطلاعهم على أسرار الخانقاه الصفوي وهي اعتناق المذهب الشيعي وجه الشيخ كل واحدة من تلك القبائل إلى ولاية من ولايات الروم وديار بكر والقفقاز للإقامة فيها . ومنذ ذلك الحين أخذت تتقاطر على الخانقاه الصفوي جماعات الناس من أقصى البلاد لتقديم الزكاة وعرض الحاجات ثم تعود أدراجها . وكانت القبائل التي قدمت إلى آذربايجان ضمن أسرى الأمير تيمور وثم إطلاق سراحها بتوسط الشيخ الخواجة علي فدخلت في عداد مريدي الخانقاه الصفوي هي القبائل التالية : تكه لو وشاملو واستاجلو والقاجار وأفشار ورملو [ زنپنه ] زنگنه وانضمت إلى هذه القبائل في زمن الشاه إسماعيل قبيلة ( ذو القدر ) حيث هاجرت من ديار بكر إلى إيران بعد سقوط حكومة علاء الدولة . وانضمت إلى مريدي الخانقاه الصفوي ، وفي بداية الحكم الصفوي كان اصطلاح ( القزلباش ) يطلق على هذه القبائل . وفي أواخر أيام حياته سافر الشيخ الخواجة علي إلى الحج
--> ( 1 ) [ المقصور ] المقصود بالروم هنا بلاد الأتراك في الأناضول .