حسن الأمين
157
مستدركات أعيان الشيعة
جهرا وظهر علي معه كذلك ( 1 ) وهو الذي أخبر على مثال خبر الرسول : « كنت وليا وآدم بين الماء والطين » . وإذ ينسب ابن عربي هذه الرواية إلى عيسى ، يردها الآملي إلى الإمام علي . وينعته بأنه أعلم من عيسى بعلوم القرآن وباسرار النبي . ( 2 ) وينقل روايات تساوي بين الامام واثني عشر نبيا ، ويفضله على أولي العزم من الرسل . ويبين بالأدلة النقلية والعقلية أن حقيقته وحقيقة النبي واحدة . بل هو يهزأ في موضع ما بادعاء ابن عربي أن كتابه « فصوص الحكم » ( سبق أن شرحه الآملي ) أعطاه إياه النبي في النوم ، وهو ينقل عنه بلا زيادة ولا نقصان « وحاشى أن يأمر النبي بأمثال ذلك » . ( 3 ) أما الولاية المقيدة التي ينسبها ابن عربي إلى نفسه ، فيردها الآملي للمهدي . فهو أحق من غيره لأنها ختم الولاية المحمدية التي تحصل من الإرث المحمدي ، لا الولاية التي تحصل من سائر الأنبياء . إلا أن الآملي لا يغمط شيخه حقه فيرى أنه « وإن كان ناقصا في هذا الموضع فهو كان كاملا في غيره » . ( 4 ) في الفصل الثالث والأخير يتناول الآملي مسألة الوحي والإلهام والكشف ، فيرى أن الوحي يكون خاصا وعاما والخاص يكون بواسطة الملك وهو مخصوص بالرسل وأولي العزم ويسميه الوحي الجلي . والذي يكون بغير واسطة هو خاص بالأنبياء ( [ الوعي ] الوحي الخفي ) . أما الوحي العام فمشترك بين الحيوانات والجمادات والإنسان والشياطين . والإلهام يقسمه أيضا إلى خاص وعام فالخاص مخصوص بالأولياء والأوصياء ، يكون بواسطة وغير واسطة . فالذي بالواسطة يكون بصوت خارج عن الشخص ، يسمعه ويفهم منه المعنى المقصود . والإلهام بغير واسطة يكون بقذف المعاني والحقائق في قلوب الأولياء دفعة أو تدريجا . ( 5 ) أما الإلهام العام فيكون بسبب أو بدونه ، ويكون حقيقيا وغير حقيقي . فالذي يكون بسبب ويكون حقيقيا هو بتسوية النفس وتحليها بالأخلاق المرضية والأوصاف الحميدة موافقا للشرع ومطابقا للإسلام : والذي يكون بغير سبب ويكون غير حقيقي يكون لخواص النفوس واقتضاء الولادة والبلدان كما يحصل للبراهمة والرهبان . « ولهذا احتجنا بعد الأنبياء والرسل إلى الامام والمرشد للتمييز بين الالهامين الحقيقي وغير الحقيقي ، وبين الخاطر الإلهي الرحماني والخاطر الشيطاني النفساني » . ( 6 ) أما الكشف للأنبياء ، والأولياء فداخل تحت الوحي والإلهام . والكشف اصطلاحا « هو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية ، وجودا أو شهودا . وهو معنوي وصوري . ويعني بالصوري ما يحصل في المثال من طريق الحواس الخمس ، وذلك أن يكون من طريق المشاهدة أو من طريق السماع : » صلصلة الجرس « و » دوي النحل « ، أو على سبيل الملامسة . وأنواع الكشف الصوري تتعلق بالحوادث الدنيوية أولا . أما الأولى فلا يلتفت إليها أهل الكشف ولا يتوقفون عند الأمور الدنيوية « ويعدونها من قبيل الاستدراج والمكر بالعبد » . ( 7 ) أما المكاشفات المعنوية فتكون أعلى مرتبة وأكثر يقينا لجمعها بين الصورة والمعنى . ولها مراتب بارتفاع الحجب كلها أو بعضها دون بعض . أما الكشف المعنوي المجرد من صور الحقائق والحاصل من تجليات الاسم العليم فهو ظهور المعاني العينية والحقائق الغيبية وله مراتب ، أولاها ظهور المعاني في القوة المفكرة من غير استعمال المقدمات وترتيب القياسات ويسمى بالحدس . ثم ظهور المعاني في القوة العاقلة المستعملة للفكرة وتسمى بالنور القدس . ثم ظهور المعاني في مرتبة القلب ويسميه المشاهدة القلبية . ثم ظهور المعاني في مرتبة الروح وبنعته بالشهود الروحي ثم ظهور المعاني في مرتبة السر ثم ظهورها في مرتبة الخفي وهي أعلى المقامات . يقسم الآملي العلوم إلى رسمي اكتسابي ، وإرثي إلهي . فالأول علم مسموع يكون بالتعليم الإنساني على التدريج والعلم الثاني علم مطبوع تحصيله بالعلم الرباني بالتدريج وغير التدريج . ويرتب المسلمين إلى أقسام ثلاثة : إسلام أهل البداية أو الإسلام الأول ، وإسلام أهل الوسط وهم أهل استدلال وبرهان وتنزيه عن الشرك الجلي . أما إسلام أهل النهاية فهم أهل التوحيد والكشف والشهود . وهو الإسلام الحقيقي المسمى بالدين القيم الذي كان عليه الأنبياء والأولياء والكمل . أما إيمان أهل البداية فتصديق مشوب بالشك والشبهة والمعارضة والاشكال . وهو قابل للزيادة والنقصان . وإيمان أهل الوسط ، تصديق ما جاء به النبي من التوحيد والعدل والنبوة والإمامة . وإيمان أهل النهاية تصديق مجموع ذلك من حيث الكشف والشهود والذوق والعيان ، مع محبة الموجد وشوق إلى حضرته العالية .
--> ( 1 ) جامع ، ( 2 ) نفسه ، ص 402 . ( 3 ) نفسه ، ص 419 - 420 . ( 4 ) نفسه ، ص 447 . ( 5 ) جامع ، ص 455 . ( 6 ) نفسه ، ص 456 . ( 7 ) نفسه ، ص 465 .