حسن الأمين
158
مستدركات أعيان الشيعة
واليقين مراتب ثلاث أيضا أدناها علم اليقين ، وأعلاها حق اليقين ، وأوسطها عين اليقين . وكلها على العكس من مراتب الإسلام والايمان مخصوصة بأهل النهاية ، ويمكن أن يجمعها شخص واحد « أما علم اليقين فهو ما كان بشرط البرهان ، وعين اليقين ما كان يحكم البيان ، وحق اليقين ما كان ينعت العيان » . ( 1 ) وفي هذا التقسيم لا يأتي الآملي بجديد لأنه من التقسيمات الصوفية الشائعة . وهو يأخذ بتعريف هذه المصطلحات بحرفها . ومن المفارقات أن يتخذ أيضا معاصر هو الدكتور محمد عابد الجابري التقسيم عينه . أي البيان والبرهان والعرفان لتشريح بنية العقل العربي وأنظمته المعرفية . ( 2 ) كان الآملي تلميذا نجيبا للتيار الصوفي الإسلامي بمختلف تفريعاته واتجاهاته وأبعاده ، وتمثل مفرداته واصطلاحاته . وحرر النص القرآني على غرار شيخه ابن عربي ، من سطوة التفسير الحرفي ، وأطلقه في فضاء التذوق الجمالي والخيالي الحر المبدع . فالحقيقة لدى العرفاني ليست معرفة ناجزة مكتملة ومغلقة ولكنها انفتاح على المعنى - المعين الثر الدفاق الذي لا ينضب . المعنى الذي لا يقبض عليه ولا يمتلك ، لأنه لا تستنفده علائق الاسناد والحمل . وإذا كان المعنى الظاهر أو الحرفي للنص القرآني في متناول من يمتلك ناصية اللغة العربية ، فان المعنى المستور يتطلب مجاهدة ومشقة لارتفاع حجبه والكشف عنه . فالمعنى المستور « أشبه بالعيون والأنهار المركوزة في تخوم الأرض ، المستورة بالأحجار الصلبة والمعادن الشديدة ، فإذا ارتفعت الموانع والحجب ، ظهرت المياه وجرت على الأرض جريانا أبديا لا انقطاع لها . كذلك القلب إذا رفعت الموانع عنه طلعت منه العلوم » . ( 3 ) فتحصيل العلوم الحقيقية لا يتم إلا بهذا الحفر الداخلي ، أي بهذه المجاهدة والمكابدة الروحية وترويض الجسد والسلوك للتغلب على الحس والشهوات . واحتمالية كهذه لا ضابط لها ، تعد من منظور الفكر الأوروبي الحديث رهانا خاسرا بالطبع . فالفلسفة عنده كما العلوم الوضعية تعمل على الكشف عن المعنى النهائي والأخير للظواهر والأشياء ، وعن الفكرة المنظمة لمعرفة تعي ذاتها وحدودها . ( 4 ) ولعل مغامرة البحث عن المعنى التي تسم النص الصوفي وسيرة أصحابه هي التي تدفع بعض المستشرقين ، ومن بينهم طبعا هنري كوربان وتلميذه كريستيان جامبية ، وقبلهما ماسينيون ، إلى دراسة آثار المتصوفة من أمثال السهروردي وابن عربي والآملي وغيرهم . يبقى السؤال عن مكانة الآملي ومشروعية طروحاته التوفيقية في مضي سبعة قرون على وفاته . هل كانت رهانا خاسرا هي الأخرى ؟ لا نرى جوابا دقيقا في هذا المجال ، ذلك أن الآملي لم يعرف من قبل على نطاق واسع ، حتى في صفوف طائفته . ويمكن الاستناد إلى رأي غير مباشر لرجل دين شيعي . رأى في تصديره لكتاب هنري كوربان « تاريخ الفلسفة الإسلامية » الذي استوحي فيه كاتبه آراء حيدر الآملي : أن التصوف مدرسة مستقلة عالمية تسربت إلى الشيعة بعد ما غزت العالم الإسلامي كله ، ولا يختص بالتشيع تبعا ولا سندا ، كذلك ثنائية الشريعة والحقيقة غير واردة عند المسلمين بمختلف فرقهم المعروفة . ( 5 ) بهذا يعضد رأي عدد كبير من المستشرقين أن التصوف الإسلامي كان بتأثيرات فارسية أو هندية أو يونانية . ويتفق مع رأي بعض القدماء مثل ابن خلدون الذي يعد التصوف « من العلوم الشرعية الحادثة في الملة » . ( 6 ) وهو إذ لا يشكك في استشهاد كوربان بكتب الباحثين من الفقهاء والفلاسفة والصوفية ، ومن بينهم بالطبع حيدر الآملي ، فهو يتحفظ عن إسناد هذه الآراء إلى مذاهب المؤلفين ، واعتبارها جزءا من عقائد تلك المذاهب . فالثابت لديه أننا لا نستطيع أن ننسب الأبحاث التي أبدعها العلامة تيار ذو شادران إلى الكنيسة الكاثوليكية ، ولا يجوز لنا أن نحاسب المذهب الحنفي بما نجده في كتاب « فصوص الحكم » لابن عربي . ويبدو أن المقصود من فحوى الكلام أن الفئة التي يمكن أن يصدر عنها أصول أي مذهب هي الفقهاء دون غيرهم من الفلاسفة والعلماء . وهم المخولون الشرعيون للنطق باسم طوائفهم . أما جهود الآملي وسائر المتصوفة والعرفانيين الشيعة فهي في مقام التجاذب . تعليقنا على مقال أحمد زين الدين أول ما ألاحظه هو عد الأستاذ زين الدين للآملي في عداد الفلاسفة ، وذلك في مفتتح قوله حيث قال : لا . . . ولم يحظ بما يناسب مكانته في الفلسفة والتصوف . ثم قال : « في حين أن مؤلفاته ورسائله تربو على اثنين وعشرين مؤلفا جميعها في علوم التصوف والفلسفة » ويذكر الكاتب أن المستشرق الفرنسي الكبير هنري كوربان ( 1905 - 1978 ، كشف عن كتابه المخطوط : ( جامع الأسرار ومنبع الأنوار ) وحاضر عنه في [ السوريون ] السوربون وسويسرا . وإن طروحات الآملي شكلت الهيكل
--> ( 1 ) نفسه ، ص 603 . ( 2 ) المقصود كتابه : بنية العقل العربي . ( 3 ) جامع . ص 521 . ( 4 ) . 106 La Logique des orientaux , Par Christian Jambet , p ( 5 ) تاريخ الفلسفة الإسلامية : هنري كوربان ، ترجمة حسن قبيسي ونصير مروة ، انظر المقدمة للسيد موسى الصدر ، ص 240 . ( 6 ) مقدمة ابن خلدون ، ص 467 .